مصرع 15 شخصا بينهم نائب بتحطم طائرة في كولومبيا
كالاس: لا أستطيع تخيل تشكيل دول الاتحاد الأوروبي لجيش أوروبي منفصل
الاتحاد الأوروبي يدرس تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية
الخطوط الجوية الإثيوبية تلغي الرحلات إلى تيجراي وسط تصاعد التوتر
القوات المسلحة تعلن أسماء المستفيدين من قرض الإسكان العسكري
بالأسماء .. دوائر حكومية تدعو مرشحين للامتحان التنافسي
كالاس: نتوقع تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية
سي إن إن: ترامب يدرس شن هجوم على إيران بعد فشل محادثات بشأن برنامجها النووي
تكلفة قرار ترامب نشر قوات في مدن أميركية بلغت قرابة 500 مليون دولار في 2025
الأردنيون يحتفلون غداً بعيد ميلاد الملك الـ 64
مطالب بالتحقيق في إحالة موظفين للتقاعد ببلدية الهاشمية - وثيفة
الحزب يتمسك بالاسم : مناورة أم مكاسرة؟
البنك المركزي: انخفاض معدل الدولرة في الودائع إلى 18% حتى تشرين ثاني 2025
الشيخ: الحملة الإسرائيلية "المسعورة" على "الأونروا" تهدد بوقف العمل الإنساني
التربية: توفر برامج التعليم المهني والتقني BTEC في 331 مدرسة على مستوى المملكة
سعر قياسي جديد في الأردن .. غرام الذهب 21 بـ 112.80 دينار
الذهب قرب 5600 دولار مع الإقبال على أصول الملاذ الآمن
النفط يصعد لليوم الثالث على التوالي مع مخاوف قصف إيران
تعرف على اسعار الخضار والفواكه في السوق اليوم
في إقليمٍ تتقدّم فيه النيران على الخرائط، لا يبدو الأردن واقفًا في المنتصف بقدر ما يبدو واقفًا تحت المجهر. فالدولة التي اعتادت إدارة التوازنات الصعبة، تجد نفسها اليوم أمام سؤال لم يعد نظريًا: هل الحياد خيار سيادي واعٍ، أم حالة اضطرارية تُفرض حين تضيق بدائل القرار؟
منذ اندلاع الحرب على غزة، لم يكن الأردن بعيدًا عن المشهد، ولا خارج دائرة التأثير. الجغرافيا لا تسمح بالعزلة، والتاريخ لا يتيح الترف، والواقع الديمغرافي يجعل أي اهتزاز إقليمي انعكاسًا مباشرًا على الداخل. ومع ذلك، يُطالَب الأردن، إقليميًا ودوليًا، بأن يبقى “هادئًا”، وأن يُمسك العصا من منتصفها، حتى حين يصبح هذا المنتصف مشتعلاً.
في المفهوم القانوني، يُفترض أن يكون الحياد موقفًا طوعيًا، تُقرّره الدول القادرة على حماية مصالحها دون انخراط في الصراع. لكن الحياد في منطقتنا نادرًا ما يكون خيارًا خالصًا؛ غالبًا ما يأتي محمّلًا بالضغوط، ومقيّدًا بشبكات التحالفات، ومشروطًا بحسابات المساعدات والاقتصاد والأمن. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حيادٍ واعٍ، أم أمام إدارة أزمة بأقل الخسائر الممكنة؟
الكلفة الحقيقية للحياد لا تُقاس فقط بما يُتجنّب من صدامات، بل بما يُدفع من رصيد أخلاقي وسياسي. فحين تُباد غزة على مرأى العالم، لا يعود الصمت مجرد تكتيك دبلوماسي، بل يتحول إلى مادة تأويل مفتوحة، تُقرأ بعيون مختلفة: الخارج يطلب مزيدًا من الضبط، والداخل يطالب بموقف أوضح، وبين الاثنين تتسع مساحة الالتباس.
والأردن، بخلاف دول بعيدة عن خطوط التماس، لا يستطيع أن يتعامل مع القضية الفلسطينية كملف خارجي. فهي جزء من معادلته الأمنية، وامتداد لنسيجه الاجتماعي، وركن ثابت في وعيه السياسي. لذلك، فإن استدعاء نماذج حياد أوروبية إلى سياق شرق أوسطي ملتهب، يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الحكمة. فالأردن ليس سويسرا، ولا يعيش في جغرافيا محايدة، ولا يتحرك في فراغ تاريخي.
ورغم ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الخيارات المتاحة ليست سهلة، وأن الانزلاق غير المحسوب قد يكلّف الدولة أثمانًا لا تقل خطورة عن الصمت. غير أن الفارق الجوهري يبقى في كيفية تعريف الموقف: هل نُدير الحياد بوصفه صمتًا، أم نعيد صياغته ليكون موقفًا سياسيًا واضح المعالم، يوازن بين المصالح والواجب الأخلاقي دون أن يتنازل عن أحدهما؟
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الدول بقدرتها على تفادي العواصف فقط، بل بقدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها. وربما لا يملك الأردن رفاهية الانحياز الكامل، لكنه بالتأكيد لا يحتمل كلفة الحياد الغامض. فالتاريخ لا يسأل الدول عمّا أرادت، بل عمّا قالت وفعلت حين كان القول والفعل اختبارًا للمعنى، لا مجرد إدارة للوقت.
وفي الحسابات الباردة للدول، لا يُقاس الموقف بحدّته بل بوضوحه، ولا تُدار الأزمات بالصمت المفتوح على التأويل. والأردن، وهو يتعامل مع لحظة إقليمية شديدة السيولة، لا يحتاج إلى تغيير تموضعه بقدر ما يحتاج إلى تثبيته بلغة سياسية لا تترك فراغًا في الفهم ولا مساحة لإعادة التأويل.
فالحياد، حين لا يُعرَّف بدقة، يتحول من أداة إدارة إلى عبء تفاوضي، ويُستخدم من أطراف مختلفة كلٌّ وفق مصلحته. وفي منطقة تُعاد فيها صياغة الاصطفافات على وقع الحرب، يصبح الغموض كلفة سياسية قائمة بذاتها. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الانحياز، بل في امتلاك سردية رسمية واضحة تُغلق باب الضغط بدل أن تُبقيه مفتوحًا، وتُحصّن القرار الوطني بدل أن تُعلّقه بين التوقعات المتعارضة.