أول وكالة اخبارية خاصة انطلقت في الأردن

أولاً.. وبكل التفاصيل

أخر الأخبار
القوات المسلحة: اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أُطلقت باتجاه الأزرق دون إصابات أو أضرار الأربعاء .. ارتفاع طفيف على الحرارة وأجواء صيفية اعتيادية في مختلف المناطق ترحيل صانعة محتوى إباحي عربية من الأردن فور وصولها إلى مطار الملكة علياء الجيش الأمريكي: بدء شنّ ضربات ضد إيران البترا بين "الإنعاش" و"الانهيار": دعوة لإنقاذ القلب النابض للسياحة 5 آلاف لاجئ سوري يعودون لبلادهم بأيار سلسلة غارات اسرائيلية تودي بحياة 11 لبنانيا وتصيب 44 بجروح ترمب يتراجع: إسقاط المروحية ليس أمرًا جللًا والطيار بخير الرزاز: أزمة النموذج الغربي تضع العالم أمام نظام دولي جديد .. والأردن مطالب بتحديث تدريجي لتعزيز دوره الإقليمي. الأردن .. تحذير من أشخاص يستخدمون تطبيقات اتصال مرئي ومسموع لانتحال صفات الأجهزة الأمنية المنتخب النسوي يتغلب على فلسطين وديا نيويورك تايمز: تقلبات ترامب تتسبب في تعقيد المفاوضات مع طهران العزة عضوا بلجنة الأمم المتحدة لحقوق ذوي الإعاقة لولاية ثانية السماء ستمطر مالا .. منتدى الاستراتيجيات الاردني : تحسن المعيشة والادخار ودفع الضرائب بعد زيادة الثلاثين دينار ضربات أمريكية وإبلاغ عن انفجارات في جنوب إيران وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن تقدم في المحادثات مع لبنان صحيفة تكشف: مسيرة" شاهد" الايرانية اسقطت مروحية امريكية ريال مدريد يصدر بيانا رسميا عن جوليان ألفاريز السعودي سادساً .. أكثر الدوريات حضوراً في كأس العالم 2026 استحداث تخصصات جديدة في جامعة الحسين بن طلال
الصفحة الرئيسية فعاليات و احداث أيمن .. العبقرية الفطرية في زمن الشهادات...

أيمن .. العبقرية الفطرية في زمن الشهادات والإنتكاسات

10-06-2026 06:56 AM

زاد الاردن الاخباري -

بقلم: فادي مشاري الزعبي - من قلب حي "القصيلة" العتيق في ربا محافظة إربد، حيث تتشابك البيوت الحجرية القديمة وتكاد تنطق جدرانها الموشومة بالصبر بعبق الأصالة الأردنية الأولى، بزغ نجم الشاب "أيمن"؛ ذلك الإنسان الذي صاغته الأيام على عينها، فغدا مثالاً حياً يترجم معنى الفتوة والشهامة، مجسداً بصورة نادرة نموذج الشاب الخلوق، المتدين، والمكافح الذي واجه عواصف هذا العصر الملتهب ومستجداته القاسية بصلابة فريدة، وعزيمة لا تلين، وشجاعة قلّما تجد لها نظيراً في زمن تلاطمت فيه أمواج الانحرافات والفتن. ولم تكن سيرة هذا الشاب فصلاً عادياً من الفصول التي يسطرها بريق الشهادات الأكاديمية أو الألقاب العلمية؛ فقد ناصبته ظروف الحياة القاسية العداء منذ نعومة أظفاره، وحرمته من نعمة القراءة والكتابة، فبقي أمياً في نظر الدفاتر والسجلات الرسمية، بيد أنه كان في واقع الحال متقد الذهن كشعلة نار، حاد الذكاء، واسع الأفق والمدارك بشكل يثير الدهشة والاستغراب في نفوس معاصريه. فقد كان يمتلك حضوراً طاغياً يأسر الألباب بمجرد غشيانه المجالس، حتى خُيّل لمن يجالسه ويستمع إلى فيض بيانه أنه يقف أمام رجل يفوق في وعيه وسعة منطقه دهاة العلم وأهل الاختصاص. ولم يكن هذا التميز الباهر وليد مطالعة بين الدفاتر أو دراسة في بطون الكتب الصفراء، بل كان هبة ربانية خالصة، وترجمة حية لذاكرة حديدية وقوة حافظة نادرة، تلتقط شرد الحكمة من أفواه الرجال ومن تقلبات تجارب الحياة، لتعيد صياغتها في ذهنه ذهباً خالصاً يسير به بين الناس. ومن ثمّ، فقد اتخذ هذا الشاب من المسجد محراباً وملاذاً ومنطلقاً لكل تفاصيل حياته، فكان له بيتاً يلوذ به، ومدرسة يتأدب في ردهاتها، ودار عبادة تطهر فيها نفسه. فلم يكن يبتغي بصلاته مجرد أداء وتأدية للفروض المكتوبة، بل كان يتنفس الإيمان في غدوّه ورواحه، فلا تفوته حلقة علم للفقهاء، ولا يغيب عن درس شرعي أو موعظة، حتى تشربت روحه الغضة قيم الحق الساطعة، واستقرت في وجدانه شمائل الفضيلة. ومن هذا النبع الإيماني الصافي، الذي صقلته أخلاق حي القصيلة العريق، تشكلت شخصية أيمن النبيلة؛ شخصية حازمة لا تقبل الضيم، ولا تميل مع الهوى، ولا تساوم على المبادئ. فغدا ذلك الرجل الصادع الذي لا يسكت على ظلم يشهده، ولا يرتضي لنفسه يوماً أن يكون شريكاً في باطل أو مداهناً في جور، ينطق بكلمة الحق مدوية كقصف الرعد في وجوه البغاة، غير آبه بما يستتبع ذلك من ثمن قاصم، ولو كان في ذلك مغامرة برأسه وتهديد صريح لروحه وحياته.
وفي هذا الفضاء الروحاني الشفيف، تجلت أسمى آيات التواضع والنبل البشري في تفاصيل سلوك أيمن اليومي؛ إذ كان يبذل مهجته ويسخر طاقته في خدمة الآخرين بلا كلل أو ملل، متجرداً من حظوظ النفس وهواها، ومترفعاً عن حب الظهور. فلم يكن يبتغي من وراء صنائع معروفه جزاءً دنيوياً ولا شكوراً من الخلائق، بل كان يدفعه محرك واحد، وتوجهه قبلة واحدة لا حيد عنها، وهي نيل رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بحظوة القبول عنده. ويحضرني في هذا المقام مشهد مشهود، حين قادتني خطاي ذات يوم إلى متوضأ المسجد في حيّنا، فإذا بي ألمحه قائماً على تنظيف المكان وتطهيره بهمة عالية وعزيمة متوقدة، تغمره سعادة غامرة لا تخطئها عين بصير، ويفيض قلبه حباً وشغفاً بهذا العمل الخفي البعيد عن أعين المرائين. وقد استوقفني ذلك المشهد المهيب، وأخذتني دهشة لم أملك معها كبح جماح تساؤلي، فبادرت بسؤاله مستنكراً من باب الشفقة عليه وعلى قسوة حاله: "ما الذي يجبرك على تنظيف المسجد ودون أجر معلوم، بينما وضعك المادي يرزح في الحضيض، وتكالب الظروف المعيشية يرهق كاهلك ويثقل عاتقك؟". فما كان منه إلا أن التفت إليّ، والابتسامة المشرقة بالرضا تكسو محياه، وأجابني بيقين المؤمن الصادق وهدوء الواثق بوعود السماء: "أنا أخدم بيت الله، وأسأله القبول". لقد كانت كلمات بسيطة في مبناها وقليلة في مبادئها، لكنها زلزلت مشاعري وهزت وجداني بعمق معناها، واختصرت في جلالها فلسفة هذا الشاب الذي كان يرى في خدمة بيوت الله شرفاً باذخاً ورفعة تذوب أمامها عروض الدنيا الزائلة وبهرجها الفاني.
وإذا ما استعادت الذاكرة فصول الماضي، نجد أن طفولة أيمن لم تكن ناعمة كأقرانه من صبيان الحي، بل قذفت به المقادير مبكراً إلى معترك الحياة الشاق وميادينها اللاهبة منذ نعومة أظفاره. إذ اضطر مرغماً، تحت وطأة العوز والفاقة، إلى مغادرة مقاعد الدراسة وهو لا يزال طفلاً غضاً، ليلتحق بسوق العمل ويحمل على عاتقه الصغير شطراً من أعباء عائلته ونفقاتهم الضرورية. وهناك، في مدرسة الحياة الحقيقية ومصانع الرجال، صُقِلت مواهبه الفطرية وتعددت مهاراته اليدوية؛ فبرع في مهن وحرف شتى تكاد لا تستغني عنها البيوت، حتى استحق عن جدارة واستحقاق لقب "مسبع الكارات" بين معارفه. ولم تكن تلك البراعة الفائقة حكراً على كسب العيش فحسب، بل كانت يده البيضاء تسبق دائماً كل صيحة استغاثة أو نداء حاجة؛ فيتدخل بطيبة قلب قلّ نظيرها ليحل أعقد المعضلات المهنية وأعصاها على كبار الصُناع، متبرعاً بوقته الخصيب وجهده المضني، دون أن يتقاضى درهماً واحداً، مدفوعاً بنقاء سريرته الفطرية وحبه المتأصل للخير.
وفي مقتبل شرخ الشباب وفواره، تطلعت عيناه نحو الآفاق البعيدة وراء البحار؛ فحزم أمتعته وهاجر إلى الديار الألمانية، حاملاً في حقيبته أحلاماً عريضة ببناء مستقبل مشرق يقي به عائلته غوائل الزمن ويؤمّن لهم عيشاً كريماً. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن أحلامه، فخيب الحظ آماله العريضة وعانده التوفيق في بلاد الاغتراب، ليجد نفسه مسوقاً بحكم المقادير للعودة إلى ثرى الوطن الحبيب. بيد أن أعجب ما في هذه الرحلة الاغترابية، وأكثر ما يثير الدهشة والاستغراب في مسيرة هذا الشاب، هو تلك المفارقة الفكرية والذهنية اللامعقولة؛ فقد غادر أيمن أسوار الوطن شاباً أمياً لا يفك الخط العربي ولا يخط بيمينه حرفاً واحداً، ولكنه قفل عائداً من ديار الغربة وهو يفهم اللغة الألمانية بطلاقة، ويقرؤها ويكتبها ببراعة واقتدار. ومع هذا التحول اللغوي المذهل، بقي على حاله الأولى أمياً في لغته الأم! وكأن عقله الفذ أبى إلا أن يثبت للجميع أن الذكاء المتقد والقدرة على استيعاب أصعب لغات الأرض لا يحتاجان بالضرورة إلى شهادات ممهورة أو مقاعد دراسية، بل هي عبقرية خاصة صاغتها ملكته الذهنية النادرة. وهكذا، عاد أيمن خالي الوفاض من بريق المال والدنانير، لكنه عاد مثقلاً بكنوز التجارب والحكمة العميقة البالغة، ليعود إلى نقطة البدء، إلى مجتمعه الأول وحيّه القديم، واضعاً يده وسواعده السّمراء في بناء هذا المجتمع وتطويره، مثبتاً للقاصي والداني أن النبتة الصالحة تظل تثمر أينما حلت وأنى سُقيت، وأن الرجال لا تُقاس بما تحويه جيوبها من حطام دنيوي، بل بما تحمله في قلوبها وعقولها من ثبات على المبادئ والقيم.








تابعونا على صفحتنا على الفيسبوك , وكالة زاد الاردن الاخبارية

التعليقات حالياً متوقفة من الموقع