#عاجل ترمب يعلن توقيع الاتفاق مع إيران .. وهذه أهم بنوده
نتنياهو: لا أتفق دائماً مع ترمب .. وإسرائيل لن تنسحب من لبنان
صندوق النقد: إعادة إنتاج النفط إلى مستواه ستستغرق وقتا
وزير الصحة: نعمل على الحد من هدر الأدوية عبر الأتمتة
أمانة عمان: 3500 طن نفايات ترد إلى محطاتنا يوميًا
ولي العهد يهنئ بالعام الهجري الجديد: كل عام وأنتم بخير
الملكة رانيا مهنئة بالعام الهجري: اللهم اجعلها بداية تُغسل فيها القلوب
إسبانيا تكتفي بالتعادل أمام الرأس الأخضر في افتتاح مشوارها بكأس العالم
رئيسة صندوق النقد: لا تباطؤ عالميا في الأفق
الصفدي يبحث مع نظيره السعودي تطورات الأوضاع في المنطقة
البدور: استحداث أقسام في مستشفى حمزة بتكاليف بسيطة
الإفتاء: الثلاثاء أول أيام السنة الهجرية الجديدة
بدء تجهيز كسوة الكعبة المشرفة 2026 داخل المسجد الحرام (صور)
مشاهدات نادرة للقرش الأزرق في تونس .. وخبراء يوضحون الأسباب
الغذاء والدواء تكشف نتائج التتبع: عينات الجميد المخالفة مصدرها أحد دول الجوار
الملك يهنئ بمناسبة العام الهجري الجديد
محمود عباس يعلن إجراء انتخابات رئاسية في 2027
مرحلة جديدة في إدارة النفايات .. أمانة عمان: المواطن سيشعر بالفرق قريباً
90% من أجهزة فحص السيارات الكهربائية متوفرة في الاردن
في كلِّ منعطفٍ دمويٍّ تعصفُ فيه الحربُ بفلسطين، يتكرّسُ في الوعي الإنسانيِّ ذلك المشهدُ الفاجع الذي يغدو فيه الدمُ الفلسطينيُّ أرخصَ من الماء، وتتحوّلُ فيه أجسادُ الأبرياءِ إلى وقودٍ دائمٍ لصراعاتٍ تتغذّى على الموت أكثر ممّا تتغذّى على إمكانيّاتِ الخلاص، إذ لم يعد الفلسطينيُّ البسيطُ مجرّدَ ضحيّةٍ عارضةٍ في معادلةِ الصراع، بل صار الضحيّةَ الثابتةَ الوحيدةَ التي تُستنزفُ حياتُها جيلاً بعد جيل، فيما تتنازعُ القوى السياسيةُ والأيديولوجيةُ حقَّ احتكارِ الروايةِ والحديثِ باسمِ الوطنِ والتاريخِ والدين. ولعلَّ المأساةَ الكبرى لا تكمنُ فقط في وحشيّةِ الاحتلالِ وما يمارسه من قتلٍ ممنهجٍ وتدميرٍ شاملٍ وإبادةٍ بطيئةٍ للإنسانِ والأرض، بل تكمنُ كذلك في اختزالِ القضيةِ الفلسطينيةِ داخلَ سرديّةٍ أحاديّةٍ يهيمنُ عليها خطابُ اليمينِ الراديكاليِّ الذي جعلَ من الصراعِ حالةً مفتوحةً على التعبئةِ المستمرّةِ باسمِ الدين، حتى بدا وكأنَّ الغايةَ من القتالِ هي القتالُ ذاته، لا إقامةُ العدلِ ولا حمايةُ الإنسانِ ولا صيانةُ الحقِّ الذي من أجله وُجدت فكرةُ المقاومةِ أصلًا. غير أنّ القراءةَ المتجرّدةَ للمنظومةِ الأخلاقيةِ والدينيةِ تكشفُ بوضوحٍ أنَّ الدينَ، في جوهرِه العميق، لم يكن يومًا مشروعًا للدماءِ المفتوحةِ ولا دعوةً أبديّةً للحرب، بل كان تأسيسًا لقيمِ العدلِ والرحمةِ ودرءِ المفاسدِ وحفظِ النفسِ الإنسانيةِ بوصفها القيمةَ الأعلى التي لا يجوزُ التفريطُ بها إلّا اضطرارًا وفي أضيقِ الحدود، فالقتالُ في المفهومِ الدينيِّ ليس غايةً مستقلّةً قائمةً بذاتها، وإنّما وسيلةٌ استثنائيّةٌ تُفرضُ حين تُغلقُ سبلُ العدالةِ كافة، أمّا تحويلُه إلى هويّةٍ سياسيّةٍ دائمةٍ وإلى حالةٍ تعبويّةٍ تُدارُ بمنطقِ الغضبِ العقائديِّ المستمرِّ، فذلك انحرافٌ خطيرٌ يُفضي في نهايةِ المطاف إلى تقديسِ الموتِ بدلَ تقديسِ الحياة، وإلى تآكلِ البعدِ الإنسانيِّ للقضيةِ مهما بلغت عدالتُها التاريخيّةُ والأخلاقية. وفي المقابل، فإنّ التيّاراتِ القوميّةَ واليساريّةَ التي حملت عبر عقودٍ طويلةٍ شعاراتِ التحرّرِ الوطنيِّ لم تنجح هي الأخرى في بناءِ مشروعٍ جامعٍ قادرٍ على تجاوزِ الانقساماتِ البنيويّةِ داخلَ المجتمعِ الفلسطينيِّ والعربي، إذ بقي كلُّ تيّارٍ أسيرَ تصوّراتِه الأيديولوجيةِ المغلقةِ ونزعاتِه الإقصائيّةِ المتبادلة، حتى تحوّلَ الاختلافُ السياسيُّ إلى حالةِ تشظٍّ وطنيٍّ عميقٍ أفقدَ القضيةَ كثيرًا من قدرتِها على إنتاجِ رؤيةٍ تاريخيّةٍ عقلانيّةٍ تنقذُ الإنسانَ الفلسطينيَّ من هذا الاستنزافِ الوجوديِّ المستمر. ومن هنا، فإنَّ الإصرارَ على إعادةِ إنتاجِ المعادلاتِ ذاتها لم يعد يُمثّلُ موقفًا نضاليًّا بقدرِ ما يُمثّلُ إعادةَ تدويرٍ للهزيمةِ والمأساة، لأنّ الشعوبَ لا تستطيعُ العيشَ إلى ما لا نهايةَ داخلَ زمنِ الحربِ المفتوحة، ولأنّ تحويلَ الأوطانِ إلى ساحاتِ نزيفٍ دائمٍ لا يصنعُ تحريرًا بقدرِ ما يصنعُ أجيالًا محطّمةً نفسيًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا. ولذلك فإنّ الحاجةَ التاريخيّةَ الملحّةَ اليوم تكمنُ في بناءِ صيغةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ تتجاوزُ الاستقطابَ العقائديَّ الحادَّ، وتستطيعُ أن تجمعَ بين اليسارِ النضاليِّ القوميِّ واليمينِ الإسلاميِّ ضمنَ مظلّةٍ وطنيّةٍ عليا تكونُ غايتُها الأولى حمايةَ الإنسانِ الفلسطينيِّ وصيانةَ دمِه وكرامتِه، لا الاستمرارَ في تحويلِه إلى مادّةٍ خامٍ لصراعاتِ السلطةِ والنفوذِ والمزايداتِ الخطابيّة. فالقضيةُ الفلسطينيةُ، في جوهرِها الحقيقيِّ، ليست مشروعَ موتٍ جماعيٍّ ولا عبادةً أبديةً للتضحية، بل هي مشروعُ تحرّرٍ إنسانيٍّ يسعى إلى تمكينِ الإنسانِ من الحياةِ الحرّةِ الكريمةِ فوقَ أرضِه، وأيُّ انحرافٍ عن هذه الغايةِ يفضي بالضرورةِ إلى تآكلِ المعنى الأخلاقيِّ للقضيةِ نفسها. ولعلَّ أكثرَ ما يبعثُ على الأسى أنّ كثيرًا من أنصافِ الحلولِ والتسوياتِ المشوّهةِ التي أُنتجت عبر العقودِ الماضية لم تكن في حقيقتِها سوى صفقاتٍ سياسيّةٍ استفادت منها النخبُ والقياداتُ المتصارعة، بينما بقي الشعبُ وحده يدفعُ أثمانَ الفشلِ والانقسامِ والحروبِ المتكرّرة، حتى أصبح الفلسطينيُّ العاديُّ محاصرًا بين مطرقةِ الاحتلالِ وسندانِ الشعاراتِ الكبرى التي لا تنتهي إلّا إلى مزيدٍ من الخراب. ومن هنا، فإنّ الوطنيّةَ الحقّةَ لا تُقاسُ بارتفاعِ سقفِ الخطابِ ولا بحدّةِ الشعارات، وإنّما تُقاسُ بمدى القدرةِ على حمايةِ الإنسانِ ومنحِه فرصةً للحياةِ خارجَ منطقِ الموتِ الدائم، لأنّ الدمَ حين يفقدُ قيمتَه، وحين يصبحُ اعتيادُ المأساةِ جزءًا من الوعيِ اليوميِّ، فإنّ الخطرَ لا يعودُ مقتصرًا على الاحتلالِ وحده، بل يمتدُّ إلى البنيةِ الأخلاقيةِ ذاتها التي يبدأُ فيها المجتمعُ بالتعايشِ مع الفاجعةِ بوصفِها قدرًا محتومًا لا سبيلَ إلى تغييره، وتلك هي الهزيمةُ الأعمقُ التي ينبغي ألّا يُسمحَ لها بالانتصار.