بعد تحذير السفارة الأميركية .. مسيرة تضرب فندقاً يرتاده أجانب في أربيل
الفيصلي يتعثر أمام السرحان بعد انتهاء المباراة بالتعادل السلبي
الملك ينبه إلى ضرورة ألا تشكل التطورات الحالية ذريعة لفرض واقع فلسطيني جديد
السعودية تعترض صواريخ أطلقت باتجاه قاعدة جوية
تجارة الأردن : لا مبرر لارتفاع الأسعار
بيان من الأمن العام بخصوص سقوط جسم متفجر في إربد
مختبئة في اربد .. ضبط قاتلة زوجها في عمان
إيران: لم نغلق هرمز لكن أي عبور "إسرائيلي" أو أميركي سيُستهدف
الدبلوماسية الأردنية تدفع نحو التهدئة ومنع اتساع الصراع في الشرق الأوسط
فصائل عراقية تهدد باستهداف مصالح أمريكية في دول عربية
البيت الأبيض : الحرب قد تمتد لـ 6 أسابيع ولدينا مخزون أسلحة كامل
موجة برد تؤثر على الأردن الاثنين
صفارات الإنذار تتسبب بتأخير انطلاق مباراتين في الدوري الأردني
حزب الله: لن ننفذ قرارات الحكومة وسنواصل حق الدفاع عن النفس
نادي الحسين يعلن توجه بعثته من قطر إلى الدمام تمهيدًا للعودة للمملكة
الذهب يقفز بأكثر من 1% بعد صدمة الوظائف الأميركية
سي إن إن عن مصادر: الصين بصدد تقديم مساعدة لإيران
السفارة الأميركية تعلن إلغاء جميع مواعيد التأشيرات
الصحة العالمية: مخزونات الأدوية في غزة منخفضة للغاية
ماذا لو صمتت الشاشات لنسمع أنفسنا من جديد؟
في مشهدٍ بات مألوفًا، يستيقظ الناس كل صباح قبل أن يستيقظوا فعليًا.
أصابع تتحرك على الشاشات، عيون نصف مفتوحة، وإشعارات تسبق السلام على النفس. لا أحد يسأل: كيف أشعر؟ بل: ماذا فاتني وأنا نائم؟ هكذا تبدأ الأيام، وهكذا تتشابه، وكأننا نعيش على إيقاعٍ لا نملكه.
ماذا لو حدث العكس ليوم واحد فقط؟
ماذا لو صمتت الشاشات فجأة؟
لا إشعارات، لا مقاطع قصيرة، لا آراء جاهزة تخبرنا بما يجب أن نحب أو نكره. هل سنشعر بالفراغ؟ أم سنكتشف أن ما كان يملأ حياتنا لم يكن سوى ضجيجٍ مستمر؟
لسنوات طويلة، اعتبرنا الاتصال الدائم علامة تطور، واعتبرنا السرعة ووفرة المحتوى دليلاً على الوعي والانفتاح. لكن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها، أننا لم نعد نعيش اللحظة، بل نمرّ بها مرور المتفرج. نأكل ونحن نصوّر، نضحك ونحن ننشر، نحزن ونحن نكتب “قصة”، حتى المشاعر أصبحت بحاجة إلى توثيق كي نصدّق أنها حقيقية.
في البيوت، يجلس الأب مع أبنائه، لكن الهاتف حاضر على الطاولة أكثر منه. قد يكتشف فجأة أنه لا يعرف تفاصيلهم، ولا أحلامهم، ولا مخاوفهم. والأم، وهي تنظر إلى شاشة هاتفها، قد تفوتها نظرة صامتة من ابنتها، تحمل أسئلة لم تُطرح منذ سنوات. كم من كلمات لم تُقال لأن إشعارًا كان أعلى صوتًا من القلب؟
لسنا دعاة عزلة، ولسنا ضد التكنولوجيا، فالأدوات في أصلها نعمة. لكن السؤال الأخطر هو: من يقود من؟
هل نستخدم التكنولوجيا لخدمتنا، أم تحوّلت هي إلى من يحدد إيقاع يومنا، مزاجنا، علاقاتنا، وحتى قيمنا؟
في الشارع، ترى الناس تمشي ورؤوسها منحنية، لا تعبّدًا ولا تواضعًا، بل خضوعًا لشاشة صغيرة. في المقاهي، يجلس الأصدقاء حول طاولة واحدة، لكن كلًّا منهم يعيش في عالم آخر. وتحت سقفٍ واحد، تسكن عائلة كاملة، بينما الأرواح موزعة بين منصات لا تعرف الرحمة ولا الاكتفاء.
الأخطر من المحتوى ذاته، هو اعتياد الاستهلاك دون تفكير. نبتلع آراء جاهزة، نكرر مواقف لم نناقشها، نغضب لأن الجميع غاضب، ونفرح لأن “الترند” قرر أن هذا الفرح مناسب اليوم. شيئًا فشيئًا، تآكلت المسافة بين الإنسان ورأيه، بين القلب وصوته الداخلي.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:
كم من إنسان شعر بالنقص لا لأنه ناقص، بل لأنه قارن حياته الحقيقية بمشهد مُفلتر لا يشبه الواقع؟ بيوت، أجساد، علاقات، نجاحات… كلها تُعرض بنسخة مثالية، بينما الحقيقة غالبًا ما تُخفى خلف عدسة وانتقاء.
في هذا السياق، يبرز البعد الأخلاقي بوضوح. فالإسلام، كمنظومة قيم، دعا إلى التوازن والوعي وحضور القلب، لا إلى الغفلة والانشغال الدائم. يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
والمقصود هنا ليس الذكر باللسان فقط، بل الحضور، والانتباه، والوعي بالذات وبالآخرين.
ماذا لو صمتت الشاشات؟
ربما سنشعر بالوحدة في البداية. لكنها وحدة صادقة، أفضل من ازدحامٍ وهمي. وحدة تُجبرنا على التفكير، على المواجهة، على السؤال بدل التلقّي، وعلى استعادة المسافة بيننا وبين الضجيج.
نحن لا نحتاج إلى قطع الإنترنت، ولا إلى قوانين تمنع الناس من التعبير، بل نحتاج إلى وعي شخصي شجاع يقول: كفى.
كفى استهلاكًا بلا معنى، كفى ضجيجًا يسرق العمر، كفى حياة تُعاش من خلف زجاج.
في النهاية، السؤال ليس:
ماذا لو صمتت الشاشات؟
السؤال الأصدق، والأهم:
متى نقرر نحن أن نُخفّض الصوت، لنسمع أنفسنا… قبل أن نضيع؟