أول وكالة اخبارية خاصة انطلقت في الأردن

تواصل بلا حدود

أخر الأخبار
"الاستهلاكية العسكرية" تعلن وصول شحنات جديدة من زيت الزيتون التونسي الأسبوع المقبل وزارة العدل تصدر 33 ألف شهادة عدم محكومية باللغة الإنجليزية إلكترونيًا خلال 2025 السفير عبداللاييف: العلاقات الأردنية الأذربيجانية متينة على أسس راسخة الملك يتلقى دعوة من ترامب للانضمام لمجلس السلام الجيش الأميركي يعلن قتل قيادي بالقاعدة على صلة بـ"كمين سوريا" البطاطس المقلية تتسبب في حادث اصطدام مروع بمحطة وقود بحيرة الموت في تنزانيا .. تتحول الكائنات الحية على ضفافها إلى حجر مدير الاستهلاكية المدنية: منعنا موظفي المؤسسة من شراء الزيت للعام العاشر على التوالي .. ابو ظبي أكثر المدن أمانا في العالم وفاة أمير سعودي جديد .. والديوان الملكي ينعاه مسودة ميثاق مجلس السلام بغزة تكشف شروط ترامب بينها دفع الدول مليار دولار انطلاق اجتماعات الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية – القطرية الدين العام يرتفع إلى 108.8% نسبة للناتج المحلي الإجمالي وزير الخارجية يجري مباحثات موسعة مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري ترامب يبحث عن قيادة جديدة لإيران وطهران تتوعد بالحزم مع ملف الاحتجاجات يحدث في الأردن فقط عشيرة تخفي خبر وفاة شيخ مؤقتا إكراماً للضيوف واشنطن بوست: تفاصيل اللحظة الحاسمة في قرار ترامب بشأن إيران الحكومة السورية: قسد يعدم سجناء وأسرى في مدينة الطبقة الجيش ينعى حمود القطارنة الكرك .. إغلاق كامل للطريق من جسر المشير حابس إلى وادي إطوي
الصفحة الرئيسية عربي و دولي مقابر المهاجرين في ليبيا: الاتجار بالبشر بين...

مقابر المهاجرين في ليبيا: الاتجار بالبشر بين مسارات التهريب وفراغ القانون

مقابر المهاجرين في ليبيا: الاتجار بالبشر بين مسارات التهريب وفراغ القانون

18-01-2026 09:00 AM

زاد الاردن الاخباري -

لم تكن حادثة العثور على 21 جثة لمهاجرين في مقبرة جماعية شرقي ليبيا سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم المرتبطة بالإتجار بالبشر، والتي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة بنيوية في البلاد، تتقاطع فيها شبكات التهريب مع النزاعات المسلحة، والانقسام السياسي، وغياب الدولة، وتراجع الأطر التشريعية الرادعة، وأعادت الواقعة الأخيرة إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، وهو ملف المهاجرين غير النظاميين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين حدود مغلقة، وبحار خطرة، وشبكات إجرامية عابرة للحدود لا تتورع عن تحويلهم إلى سلعة قابلة للاستغلال حتى الموت.
وبحسب المعطيات الأولية التي أعلنتها السلطات، فإن الجثث التي عُثر عليها تعود لمهاجرين من دول أفريقية، كانوا محتجزين في موقع يُشتبه باستخدامه من قبل شبكة منظمة للإتجار بالبشر، وتظهر تفاصيل القضية أن الضحايا تعرضوا لاحتجاز قسري في ظروف غير إنسانية، شملت التعذيب، والتجويع، والابتزاز المالي، قبل أن يُتركوا لمصيرهم، أو يتم التخلص منهم في مقبرة جماعية، في مشهد يعكس درجة التوحش التي بلغتها هذه الشبكات في ظل الإفلات شبه الكامل من العقاب.

وقائع سابقة

هذه الجريمة ليست الأولى ويبدو بأنها لن تكون الأخيرة أيضا، فقد جاءت كامتداد لسلسلة من الحوادث التي سجلت خلال الأعوام الماضية، ففي شباط/فبراير 2025، أعلن مكتب النائب العام الليبي العثور على ما لا يقل عن 60 جثة لمهاجرين في مقبرة جماعية شمال مدينة الكفرة، جنوب شرقي البلاد، خلال عملية أمنية استهدفت مركز احتجاز تستخدمه شبكة إتجار بالبشر. وذكرت النيابة آنذاك أن السلطات تمكنت من تحرير 76 مهاجرًا كانوا محتجزين قسرًا، بعد تعرضهم لتعذيب ومعاملة مهينة، في واحدة من أكبر القضايا التي كُشف عنها رسميًا خلال السنوات الأخيرة. كما أكدت التحقيقات أن الموقع كان يُستخدم لاحتجاز المهاجرين بهدف ابتزاز عائلاتهم، أو إجبارهم على العمل القسري، أو إعادة بيعهم لشبكات أخرى.
وقبل ذلك، في تموز/يوليو 2024، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن مكتبه يحقق في مقبرة جماعية جرى اكتشافها قرب الحدود الليبية التونسية، يُرجح أنها تضم رفات مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وأدان تورك حينها ما وصفه بـ«النمط المتكرر من الانتهاكات الجسيمة» التي يتعرض لها المهاجرون في ليبيا، بما في ذلك الإتجار، والتعذيب، والعمل القسري، والابتزاز، مؤكدًا أن هذه الجرائم لا يمكن فصلها عن حالة الانقسام الأمني والمؤسسي في البلاد.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تحولت ليبيا تدريجيًا إلى إحدى أبرز نقاط العبور والاحتجاز القسري للمهاجرين غير النظاميين في المنطقة، ومع انهيار مؤسسات الدولة، وظهور عشرات الجماعات المسلحة، باتت الحدود الجنوبية والغربية، الممتدة مع دول الساحل والصحراء، مسرحًا مفتوحًا لشبكات تهريب البشر، التي تستغل الفقر، والنزاعات، وانعدام البدائل الآمنة أمام آلاف الراغبين في الهجرة. وتشير تقارير أممية ودولية إلى أن ليبيا لم تعد مجرد بلد عبور، بل أصبحت في كثير من الحالات بلد احتجاز واستغلال طويل الأمد.

طريق شرقي

خلال العامين الماضيين، برز ما يُعرف بـ«طريق الهجرة الشرقي» الممتد من طبرق باتجاه جزيرة كريت اليونانية، كمسار جديد عالي الخطورة، تُديره شبكات تهريب تعمل بالتنسيق مع جماعات مسلحة، مستفيدة من ضعف الرقابة البحرية وتضارب الصلاحيات بين السلطات المتنافسة في الشرق والغرب. وفي الوقت ذاته، كثّفت السلطات الليبية، بدعم أوروبي، عمليات اعتراض المهاجرين في البحر، ما أدى إلى إعادة عشرات الآلاف منهم قسرًا إلى مراكز احتجاز داخل ليبيا، كثير منها يخضع لسيطرة جماعات مسلحة أو شبكات غير رسمية.
في هذا السياق، أعلنت وكالة «نوفا» الإيطالية أن أكثر من 27 ألف مهاجر جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى السواحل الليبية خلال عام 2025 فقط، في رقم يعكس حجم الظاهرة، لكنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات حقوقية خطيرة حول مصير هؤلاء بعد إعادتهم، في ظل توثيق متكرر لانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز، وغياب آليات مستقلة للمراقبة والمساءلة.
قانونيًا، تُصنَّف جرائم الإتجار بالبشر ضمن الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وقد عالجها المجتمع الدولي عبر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وبروتوكولها الإضافي المعروف بـ«بروتوكول باليرمو»، الصادر عام 2000، والذي يعرّف الإتجار بالبشر بأنه تجنيد أو نقل أو إيواء أشخاص باستخدام القوة أو الخداع أو استغلال الضعف بغرض الاستغلال، بما يشمل العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والعبودية، وتجارة الأعضاء. ويلزم البروتوكول الدول الموقعة باتخاذ تدابير تشريعية وقضائية لحماية الضحايا، وملاحقة الجناة، وتعزيز التعاون الدولي.

فجوة ليبية

غير أن الإطار التشريعي الليبي لا يزال يعاني من فجوات كبيرة في هذا المجال. فرغم وجود نصوص متفرقة في قانون العقوبات تُجرّم بعض صور الإتجار بالبشر، مثل الإتجار بالنساء أو الإكراه على الدعارة، إلا أن ليبيا لا تمتلك حتى اليوم قانونًا شاملًا ومستقلًا لمكافحة الإتجار بالبشر، يتماشى مع المعايير الدولية، ويحدد بوضوح آليات الحماية، وإجراءات التحقيق، والعقوبات الرادعة، ومسؤوليات المؤسسات المختلفة. وقد ساهم هذا الفراغ التشريعي، إلى جانب ضعف القضاء والانقسام السياسي، في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب.
وتشير دراسات قانونية ليبية إلى أن غياب استراتيجية وطنية موحدة لمكافحة الإتجار بالبشر، وافتقار الدولة لأجهزة متخصصة ومدربة، جعلا من الصعب تفكيك الشبكات الإجرامية، أو حماية الضحايا، الذين غالبًا ما يُعاملون كمخالفين لقوانين الهجرة، بدل الاعتراف بهم كضحايا جرائم جسيمة. كما أن التعاون المحدود بين السلطات الليبية والمنظمات الدولية، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية، يعرقلان أي جهود مستدامة لمعالجة جذور المشكلة.
في ظل هذا الواقع، تتكرر المقابر الجماعية، وتتراكم الأرقام، فيما يبقى المهاجرون الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تجمع بين السياسات الأوروبية الرامية إلى «احتواء الهجرة»، وشبكات إجرامية محلية وعابرة للحدود، ودولة عاجزة عن فرض سيادتها وحماية أبسط الحقوق. ومع كل جريمة جديدة تُكتشف، تتجدد الأسئلة حول جدوى المقاربات الأمنية وحدها، وضرورة الانتقال إلى معالجة شاملة تضع كرامة الإنسان في صلب أي سياسة لمكافحة الإتجار بالبشر في ليبيا..

أرقام الضحايا

على المستوى الإحصائي، لا تكتمل صورة الإتجار بالبشر في ليبيا من دون التوقف عند أرقام الضحايا والناجين، التي تعكس اتساع الظاهرة رغم تعدد التدخلات الدولية، فوفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجّل خلال عام 2025 وحده وجود ما يقارب 928 ألف مهاجر داخل الأراضي الليبية، ينتمون إلى أكثر من 44 جنسية، ويتركزون في المدن الساحلية، والمناطق الجنوبية، وعلى مسارات العبور الشرقية والغربية. ويُعد هذا الرقم من أعلى المعدلات المسجلة منذ سنوات، ويعكس استمرار ليبيا كنقطة جذب قسرية للهجرة، سواء كمحطة عبور أو كمكان احتجاز طويل الأمد.
وخلال الفترة نفسها، وثّقت المنظمة مقتل أو فقدان ما لا يقل عن 1314 شخصًا على طريق وسط البحر المتوسط، الذي يربط السواحل الليبية بتونس وإيطاليا واليونان. ورغم تكثيف عمليات الاعتراض والرقابة البحرية، لا تزال أعداد الضحايا مرتفعة، ما يشير إلى أن المقاربة الأمنية لم تُقلّص المخاطر بقدر ما غيّرت مساراتها، ففي مقابل إغلاق بعض الطرق، ظهرت مسارات بديلة أكثر خطورة، أبرزها الطريق الشرقي الممتد من طبرق إلى جزيرة كريت، والذي شهد خلال العامين الماضيين ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الرحلات غير النظامية.
وتكشف بيانات عام 2025 كذلك عن اعتراض أكثر من 27 ألف مهاجر في البحر وإعادتهم قسرًا إلى ليبيا، في عمليات جرت بدعم لوجستي وتقني من الاتحاد الأوروبي. وبينما تُقدَّم هذه العمليات بوصفها جزءًا من جهود «مكافحة التهريب»، ترى منظمات حقوقية أن الإعادة القسرية، في ظل غياب ضمانات الحماية، تُسهم عمليًا في إعادة الضحايا إلى بيئة موثقة بالانتهاكات، حيث يتعرض كثيرون منهم للاحتجاز التعسفي، أو يُعاد استغلالهم من قبل الشبكات نفسها التي حاولوا الفرار منها.
في هذا السياق، تبرز إشكالية الخلط بين مفهومي «الإعادة القسرية» و«العودة الطوعية». فبينما تُشير التقارير إلى استفادة أكثر من 16 ألف مهاجر من برامج العودة الطوعية خلال عام واحد، تؤكد منظمات حقوقية أن هذه البرامج، رغم أهميتها، لا تغطي سوى جزء محدود من الحاجة الفعلية، ولا يمكن اعتبارها بديلًا عن توفير حماية قانونية وإنسانية داخل ليبيا. كما أن كثيرًا من المهاجرين لا يملكون خيار العودة أصلًا، بسبب النزاعات أو الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.

مسارات داخلية

وفي داخل ليبيا، لا يتحرك المهاجرون وفق خط واحد مستقيم، بل ضمن شبكة مسارات تتغير بحسب السيطرة الأمنية ومواسم الإبحار ونقاط التجميع. وتشير تقديرات ميدانية وتقارير دولية إلى أن مدينة سبها تمثل محطة رئيسية لانطلاق كثير من قوافل المهاجرين بعد عبور الحدود الجنوبية، قبل توزيعهم على محاور أخرى؛ أبرزها باتجاه مصراتة والخمس، أو نحو صبراتة وزوارة على الساحل الغربي، حيث تنشط شبكات تنظيم الرحلات البحرية.
كما يشكل إقليم فزان أحد أكثر الأقاليم ارتباطًا بتهريب البشر، إلى جانب تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات، في ظل اتساعه الجغرافي وامتداداته الصحراوية وصعوبة ضبط حدوده. وقد أدى التنافس بين مجموعات مسلحة محلية على السيطرة على المعابر والمسارات إلى اشتعال صراعات متقطعة في الجنوب والشرق، وهو ما حول بعض المناطق إلى فضاءات شبه مغلقة على القانون، تسمح بازدهار الإتجار بالبشر بعيدًا عن الرقابة الفعلية.
وتشير تقارير متخصصة، من بينها معطيات وكالة مكافحة الإتجار بالبشر النيجيرية «NAPTIP»، إلى أن بعض الشبكات لم تعد تعتمد فقط على الاختطاف والاحتجاز، بل باتت تستدرج النساء والفتيات عبر وعود بالحصول على وظائف أو «مساعدات»، قبل أن يتحول الأمر إلى احتجاز واستغلال. وتتعرض نساء جنوب الصحراء الكبرى لمخاطر مرتفعة، تشمل الإتجار الجنسي والعمل القسري والابتزاز، لا سيما في مناطق جنوب ليبيا، بينما تواجه النيجيريات خطر الإكراه على ممارسة البغاء. وفي المقابل، يتعرض الإرتيريون والسودانيون والصوماليون بدرجات متفاوتة لخطر السخرة والعمل القسري في سياقات مرتبطة بالاحتجاز أو الاستغلال الاقتصادي.

زاوية حقوقية

من الناحية الحقوقية، ترى الباحثة المستقلة سمية أن الإتجار بالبشر في ليبيا «ليس مجرد نشاط إجرامي معزول، بل منظومة متكاملة تتغذى على الانقسام السياسي، والاقتصاد غير الرسمي، والخطاب المعادي للمهاجرين». وتضيف أن «التعامل مع الملف من زاوية أمنية فقط، بدون معالجة جذوره الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، يعني القبول باستمراره».
وتشير إلى أن غياب آليات حماية الشهود والضحايا يجعل كثيرين منهم يترددون في التعاون مع السلطات، خوفًا من الانتقام أو إعادة الاحتجاز.
وتوضح سمية أن الإطار القانوني الدولي يوفّر أدوات واضحة لمكافحة الإتجار بالبشر، لكنها غالبًا ما تبقى معطلة على المستوى الوطني.
فبروتوكول باليرمو، الذي صادقت عليه ليبيا، يُلزم الدول بتجريم الإتجار بالبشر بشكل صريح، وتوفير حماية شاملة للضحايا، وعدم معاقبتهم على أفعال ارتُكبت تحت الإكراه. غير أن التطبيق العملي لهذه الالتزامات يظل محدودًا في الحالة الليبية، بسبب ضعف التشريعات المحلية، وتداخل الصلاحيات، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض القانون.
وتشير دراسات قانونية إلى أن ليبيا تفتقر إلى قانون وطني متكامل لمكافحة الإتجار بالبشر، يحدد بوضوح تعريف الجريمة، وأنواع الاستغلال، والعقوبات، وآليات الحماية والتعويض. كما أن الأجهزة الأمنية والقضائية لا تمتلك دائمًا التدريب أو الموارد اللازمة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم المعقدة، التي تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود، وقدرات تحقيق متخصصة، وحماية فعالة للضحايا.
في المقابل، يرى مراقبون أن بعض السياسات الأوروبية، التي تركز على منع وصول المهاجرين إلى السواحل الشمالية للمتوسط، أسهمت في تعزيز دور ليبيا كمنطقة احتجاز خارجية، من دون معالجة الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المهاجرون داخلها. فتمويل خفر السواحل، ودعم عمليات الاعتراض، لم يُرافقه ضغط كافٍ لضمان احترام حقوق الإنسان، أو لإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية، أو لمحاسبة المتورطين في الإتجار بالبشر.
وتنعكس هذه التناقضات في استمرار اكتشاف المقابر الجماعية، وتكرار حوادث الاحتجاز والتعذيب، رغم مرور سنوات على أولى التحذيرات الدولية. ففي كل مرة تُعلن فيها السلطات عن تفكيك شبكة أو إحالة متهمين إلى القضاء، تُطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذه الإجراءات، وما إذا كانت تمثل تحولًا حقيقيًا أم استجابة ظرفية لضغوط إعلامية أو دولية.
وتؤكد سمية أن مكافحة الإتجار بالبشر في ليبيا تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، وتشمل إصلاحًا تشريعيًا ينسجم مع المعايير الدولية، وبناء مؤسسات قادرة على إنفاذ القانون، وتوفير بدائل حقيقية للاحتجاز، وضمان وصول المنظمات المستقلة إلى أماكن الاحتجاز. كما تشدد على أهمية تغيير الخطاب العام تجاه المهاجرين، والاعتراف بأنهم ضحايا في المقام الأول، لا تهديد أمني أو عبء اقتصادي.
في المحصلة، يكشف ملف الإتجار بالبشر في ليبيا عن مأزق مركّب، تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع السياسات الإقليمية والدولية، والفراغ التشريعي، والانقسام السياسي. وبينما تُسجَّل بعض الخطوات الإيجابية، مثل كشف المقابر الجماعية وإحالة متهمين إلى القضاء، يبقى الطريق طويلًا نحو مساءلة شاملة تضع حدًا لدائرة العنف والاستغلال.
فالسؤال لم يعد يقتصر على عدد الضحايا، بل على قدرة الدولة والمجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تفكيكها جذريًا، قبل أن تُضاف مقابر جديدة إلى سجل طويل من الجرائم المنسية.








تابعونا على صفحتنا على الفيسبوك , وكالة زاد الاردن الاخبارية

التعليقات حالياً متوقفة من الموقع