أول وكالة اخبارية خاصة انطلقت في الأردن

أولاً.. وبكل التفاصيل

أخر الأخبار
وزير الطاقة يؤكد أهمية الحفاظ على الجاهزية لضمان استمرار التزويد الكهربائي إعلام عبري: 20 مصابا في ديمونة جراء هجوم إيراني ليبيا تستعين بشركة متخصصة للتعامل مع ناقلة غاز روسية متضررة قرب سواحلها الحملة الأردنية والخيرية الهاشمية تنفذان فعالية تجمع بين عيد الفطر ويوم الأم في غزة مجلس التعاون الخليجي يدين الاعتداء الإسرائيلي على سوريا هيئة الإعلام تعمم قراراً بمنع النشر في حادثة وفاة طالبة بالجامعة الأردنية للسنة السابعة على التوالي .. سلطة منطقة العقبة تطلق حملة "اتركها نظيفة 2026" إدانات أوروبية لتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ودعوات لمحاسبة المسؤولين الإمارات: التعامل مع 3 صواريخ و8 طائرات مسيرة من إيران علم النفس يكشف: 7 صفات تميز أصحاب النفوس الجميلة بلدية جرش الكبرى تعلن حالة الطوارئ القصوى استعدادًا للمنخفض الجوي حزب الله: نخوض اشتباكات مع القوات الإسرائيلية في بلدتين بجنوب لبنان الهند واثقة من تلبية الطلب على الكهرباء في الصيف رغم أزمة الشرق الأوسط دول الاتحاد الأوروبي وبلدان أخرى تدين تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ألبانيزي: إسرائيل تستخدم التعذيب الممنهج بحق الفلسطينيين منذ 2023 بهدفي ويلبيك .. برايتون يعمق جراح ليفربول محلياً ارتفاع ضغط الدم قد يغير شخصيتك في صمت الجيش الأميركي: قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز "تراجعت" Project Hail Mary يحطم الأرقام ويتصدر إيرادات افتتاح 2026 الحرس الثوري يعلن إصابة مقاتلة إف-16 إسرائيلية فوق وسط إيران
الصفحة الرئيسية آراء و أقلام القِطَّةُ الَّتِي تُلاحِقُ النُّقودَ

القِطَّةُ الَّتِي تُلاحِقُ النُّقودَ

28-09-2025 09:34 AM

القِطَّةُ الَّتِي تُلاحِقُ النُّقودَ

عِندَ المَحَلِّ

بَعدَما سَدَّدتُ فَواتيري وَخَرَجتُ مِن ذٰلكَ المَحَلِّ المخصص لذلك، وَضَعتُ يَدي أَستَنِدُ بِها إِلى الجِدارِ الواطِئِ الَّذِي يُفصِلُ المَحَلَّ عَن جارِهِ. فَإِذا بي أَجِدُ قِطَّةً بَيضاءَ، ذاتَ فِراءٍ ناعِمٍ، تَجلِسُ عَلى مَصطَبَةٍ رُخامِيَّةٍ عِندَ نِهايَةِ الدَّرَجِ المُوصِلِ بَينَ الرَّصيفِ وَالمَحَلِّ.

كانَتِ القِطَّةُ تَجلِسُ جَلسَةً هادِئَةً، تُديرُ ظَهرَها إِلى الشّارِعِ الَّذِي لا تَنقَطِعُ فِيهِ الحَرَكَةُ، وَتَنظُرُ صَوبَ المَدخلِ، تُراقِبُ الدّاخِلينَ وَالخارِجينَ بِنَظرَةٍ مُتَفَحِّصَةٍ وَوَقارِ فَيلَسوفٍ. كَأَنَّها تَتَساءَلُ فِي صَمتٍ: ما الَّذِي يَشتَريهِ هٰؤُلاءِ النّاسُ؟ فَلا رائِحَةَ لَحمٍ تَفوحُ، وَلا خُبزٍ وَلا جُبنٍ. يَدخُلُ الوَاحِدُ مِنهُم ساهِمًا، ثُمَّ يَخرُجُ وَشَفَتاهُ تَتَحَرَّكانِ كَمَن يُتَمتِمُ بِلا صَوتٍ… أَهِيَ صَلاةٌ ما؟

خَيالٌ عابِرٌ

مَدَدتُ يَدي أَلمَسُها، أُمسِّدُ فِراءَها، أُداعِبُ ذَقنها وَأَعبَثُ بِشَوارِبِها. لَكِنَّها لَم تَكتَرِثْ، فَقَد بَدا أَنَّها اعتادَت مُداعَبَةَ الغُرَباءِ. كانَت وَديعَةً، وَلَم يَقتُلها المَلَلُ رَغمَ رَتابَةِ النَّظَرِ إِلى مَحَلِّ الصِّرافَةِ.

خَطَرَت لِي فِكرَةٌ طَريفَةٌ: لَعَلَّها قِطَّةٌ ذاتُ اهتِماماتٍ مالِيَّةٍ، تُلاحِقُ الدّولاراتِ بَدلَ الفِئرانِ! رُبَّما تَختَلِسُ النَّظَرَ عَبرَ زُجاجِ المَحَلِّ، تُجري دِراسَةً خاصَّةً، تَحسِبُ كَم تَراكَمَ فِي خَزينَتِهِ، تَجِدُ المَعاييرَ وَالنِّسَبَ المِئَوِيَّةَ. أَم لَعَلَّها لَيسَت قِطَّةً أَصلًا، بَل دُميَةٌ ذَكِيَّةٌ مُسَيَّرَةٌ عَن بُعدٍ، تُراقِبُ وَتُسَجِّلُ وَتَعُدُّ؟

ابتَسَمْتُ لِلفِكرَةِ، لكنني خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّها هِيَ مَنِ ابتَسَمَت بِاِستِخفافٍ. أَتُراني أُثيرُ سُخرِيَتَها؟ وَهَل تَعتَقِدُ يا عَزيزي أَنَّ الدُّمَى الذَّكِيَّةَ سَتَكونُ دومًا عَلى هَيئَةِ حَسناواتٍ؟ لِماذا لا تَكونُ قِطَطًا أَو كِلابًا أَو حَتّى عَناكِبَ؟ وَلِماذا لا تَتَجاوَزُ مُسَيَّراتِ "الكوادكوبتَر" إِلى ما هُوَ أَعجَبُ؟

عَلى أَعتابِ عالَمٍ آخَرَ

اِنتَظِرْ وَسَتَرى… فَنَحنُ عَلى أَعتابِ عالَمٍ آخَرَ، فَضاءٍ يُشبِهُ الأَلعابَ الإِلكترونيَّةَ. سَنَسقُطُ كَما سَقَطَت "أَلِيس" فِي جُحرِ الأَرنَبِ إِلى بِلادِ العَجائِبِ، أَو نُبْتَلَع عَبرَ ثُقبٍ دُودِيٍّ فَنَجِدَ أَنفُسَنا فِي عَوالِمِ "إِكس ماكينا" أَو "بليد رَنَر" أَو "آي. روبوت".

وَساعَتَها قَد تَبكي حَقًّا، حِينَ تُقاضِيكَ دُميتُكَ الذَّكِيَّةُ الحَسناءُ أَمامَ القاضي وَهيئَةِ الدِّفاعِ، تَروي بِالتَّفصيلِ جَرائِمَكَ الَّتِي لا يَقبَلُها أَحَدٌ مِن أَبناءِ ذٰلِكَ العالَمِ. أَيُّ قانُونٍ سَيُطبَّقُ عَلَيكَ؟ قانُونُ البَشَرِ أَم قانُونُ الدُّمَى؟

وَسَيَبدو الأَمرُ طَبيعيًّا وَأَنتَ تَرى أَطفالَ جارِكَ يَلهُونَ بِطائِرَتِهِمُ المُسَيَّرَةِ فَوقَ حَديقَتِكَ، بَل وَرُبَّما يَقتَرِبونَ مِن نافِذَتِكَ. لَن تَتَبَرَّمَ حَتّى لَوِ اَلتَقَطَتِ الطّائِرَةُ صُورَةً لَكَ وَأَنتَ تَستَرخِي فِي مَغطَسِكَ. لَن تَجرُؤَ عَلى قَذفِها بِحَجَرٍ وَلا حَتّى بِكَلِمَةٍ نابِيَةٍ، وَكَأَنَّ الأَمرَ حَقٌّ مُكتَسَبٌ لَهُم. عِندَها سَتُدرِكُ أَنَّ حَياتَنا آئِلَةٌ لِأَن تَصيرَ تَمامًا كَما يُقالُ: بُيوتٌ مِن زُجاجٍ لا تَستُرُ أَحَدًا.

كاتي

اِنقَطَعَت سِلسِلَةُ الصُّوَرِ فَجأَةً بِفَتحِ نافِذَةٍ فِي الطّابِقِ العُلويِّ، وَصَوتُ طِفلَةٍ يُنادِي:
— «كاتي… كاتي، تَعالي!»

نَهَضَتِ القِطَّةُ، قَوَّسَت ظَهرَها، غَمغَمَت تَمُوءُ بِدَلالٍ، قَفَزَت إِلى مَمَرٍّ جانِبِيٍّ، وَسارَت فِيهِ رَشيقَةً كَأَميرَةٍ مُدَلَّلَةٍ مُعجَبَةٍ بِنَفسِها. وَقَبلَ أَن تَختَفِيَ فِي الظِّلِّ، اِلْتَفَتَتْ نَحوي وَلَمَعَ فِي عَينَيها بَريقٌ فُسفوريٌّ غَريبٌ، بَينَما صَوتُ الطِّفلَةِ يُعاتِبُها:
— «ماذا كُنتِ تَفعَلينَ أَيَّتُهَا الشَّقِيَّةُ!»

إِذَن فَـ«كاتي» لَيسَت لُغزًا سِيبِرانيًّا، بَل قِطَّةٌ مُدَلَّلَةٌ تَعيشُ فِي كَنفِ طِفلَةٍ، فِي شَقَّةٍ عُلويَّةٍ، وَسْطَ هذِه الغابَةِ الإِسمِنتيَّةِ مِنَ المَدينَةِ.

النُّقودُ الضّائِعَةُ

نَزَلْتُ الدَّرَجاتِ الثَّلاثَ إِلى الرَّصيفِ، رَكِبْتُ السَّيّارَةَ بِجِوارِ السّائِقِ، وَاتَّجَهنَا إِلى المَخبَزِ. اِشتَرَيتُ خُبزًا وَكَعكًا، وَأَثناءَ تَفَقُّدي ما تَبَقّى مِن نُقودٍ، أَدرَكتُ أَنَّني أَفقِدُ ثَلاثَةَ دَنانيرَ.

أَعَدْتُ عَمَليّاتِ الجَمعِ وَالطَّرحِ مِرارًا، لَكِنَّ النَّتيجَةَ بَقِيَت كَما هِيَ. أَينَ اختَفَت؟ إِمّا أَن تَكونَ سَقَطَت مِنّي فِي المَحَلِّ، أَو عِندَ تِلكَ القِطَّةِ!

تَذَكَّرتُ بَريقَ عَينَيها، لا بُدَّ أَنَّها كانَت تَسخَرُ مِنّي. رُبَّما لاحَظَت أَنَّ شَيئًا سَقَطَ مِن جَيبي. شَقِيَّةٌ تِلكَ القِطَّةُ، مِن قِطَطِ المَدينَةِ الَّتِي تُلاحِقُ النُّقودَ بَدلَ الفِئرانِ! فِي مَدينَةٍ تَختَفِي فِيها الحَدائِقُ وَالمَساحاتُ الخَضراءُ، وَتَتَراكَمُ فِيها الكُتَلُ الإِسمِنتيَّةُ وَأَعمِدَةُ الطّاقَةِ وَخُطوطُ الاِتِّصالاتِ، لا تَجِدُ ما تُلاحِقُهُ: لا طُيورَ وَلا فَراشًا، إِلّا ما تَحمِلُهُ الرِّيحُ وَتَذرو بِهِ مِن فُتاتٍ وَأَوراقٍ صَغيرَةٍ ـ نَقدِيَّةٍ أَحيانًا ـ وَما يَخرُجُ مِن أَفواهِ الباعَةِ مِن كَلِماتٍ.

الخاتِمَةُ

اِتَّجَهَت بِنا السَّيّارَةُ إِلى البَيتِ، وَلَم تَزَل تَستَفِزُّني ذِكرَى القِطَّةِ، رُبَّما سَتَصِلُ رِسالَةٌ قَصيرَةٌ إِلى عامِلِ المَلحَمَةِ، تَطلُبُ مِنهُ أَن يُعطِيَ "كاتي" لَحمًا بِثَلاثَةِ دَنانيرَ، المَبلَغِ الَّذِي وَصَلَهُ عَبرَ التَّطبيقِ.

سَتَدخُلُ "كاتي" بَعدَها بِقَليلٍ، وَتَنظُرُ إِلى العامِلِ خَلفَ الكاونتَر. هَل سَيَعرِفُ أَنَّها هِيَ "كاتي"؟ وَ كَيفَ يُخاطِبُها؟

وَصَلتُ البَيتَ، حَمَلتُ أَغراضي بَينَ يَدَيَّ، بَينَما كانَ ذِهني مُنشَغِلًا يَحسُبُ قِيَمَ أَربعِ فَواتيرَ. دَخَلتُ البَيتَ، خَلَعتُ حِذائي وَسِرتُ بِخُفَّي إِلى المَطبَخِ، تَركتُ هُناكَ ما أَحمِلُهُ، ثُمَّ مَضَيتُ إِلى غُرفَتِي حَيثُ أَحتَفِظُ بِأَشيائِي وَأَوراقِي المُهِمَّةِ، وَأَفرَغتُ ما فِي جَيبي.

وَهُناكَ، فِي إِحدَى طَيّاتِ مَلابِسي، وَجَدتُها… ثَلاثَةَ دَنانيرَ كامِلَةً! لَم تَكُن قَد سَقَطَت، وَلَم تَكُن لِلقِطَّةِ يَدٌ فِي اختِفائِها. رُبَّما هُوَ ذٰلِكَ الثُّقبُ الدُّودِيُّ الَّذِي يَفغَرُ فاهُهُ كَوَحشٍ خُرافِيٍّ، عِندَ قُدومِ فاتورَةٍ جَديدَةٍ، يُربِكنِي حَتّى سَدادِها.
سعيد ذياب سليم





تابعونا على صفحتنا على الفيسبوك , وكالة زاد الاردن الاخبارية

التعليقات حالياً متوقفة من الموقع