البيئة: إحالة فيديو رمي نفايات من مركبة للجهات المختصة
السيلاوي: اخطأت بكلمة واحدة ولست مريضا وسأستمر في التعبير عن قناعاتي
استطلاع رأي: إسرائيل لم تنتصر في أي حرب منذ 7 أكتوبر
دمار هائل في بلدات النبطية والسكان يعجزون عن العودة لبيوتهم
الأوريغانو قد يدعم ضغط الدم .. رغم محدودية الأدلة
تحديد مواقع خطوط النقل لخدمة المجمع الطبي بإربد
بدء أعمال تأهيل الطريق الملوكي في مأدبا وتحديد مسارات بديلة لحركة السير
كأس العالم بالمجان لسكان مدينة نيويورك
نتنياهو يمثل أمام المحكمة مجددا في قضايا فساد
سحر القدم اليسرى فى 2026 .. محمد صلاح بين عمالقة العالم وميسى على القمة
فخر ووفاء: لقاء ملكي يحيي إرث الصحفي الراحل جمال حداد
الاستثمار في الأسهم: من أين تبدأ في الأسواق العالمية؟
وزير الإدارة المحلية: سداد 315 مليون دينار من ديون البلديات وخفض المديونية إلى 285 مليون دينار
دورة الاستقلال المدرسية تعلن نتائج منافسات قبل النهائي
تقرير أممي يحذر .. فشل عالمي أخلاقي وسياسي في مواجهة الجوع
20 آلية إسرائيلية تتوغل في ريف درعا وسط تحليق للمسيّرات
حكومة ماكوسو الثانية في برازافيل .. تدوير للحرس القديم وتثبيت لنهج ساسو نغيسو
كيف تتأثر الممرات البحرية العالمية بالتوترات في مضيق هرمز؟
مسؤولة أمريكية سابقة: إسرائيل ترتكب إبادة بغزة وواشنطن شريكة
بقلم الدكتور المحامي يزن عناب - في طوكيو، تلك المدينة التي تجمع بين صرامة النظام ودقّة الحلم، وقف الملك عبد الله الثاني مختلفاً هذه المرة. لم يكن زائراً يمرّ على جدول أعمال بروتوكولي، ولا رئيس دولة يلقي كلماتٍ رسمية أمام عدسات الكاميرات، بل بدا كمن يحمل بيده خريطةً لبيتٍ يريد أن يبنيه لبنيه، بيتٍ اقتصاديٍّ أردنيٍّ متين، له أساسات من العمل والشراكة، وسقفه من الثقة والرؤية. زيارة الملك إلى اليابان في نوفمبر 2025 كانت أكثر من مجرد لقاءات ومذكرات تفاهم، كانت خطوة عملية في مسارٍ طويل نحو تحويل العلاقة الأردنية اليابانية من علاقة “مساعدات وتنمية” إلى “شراكة إنتاجية واستثمارية”.
منذ اللحظة الأولى للزيارة، بدا واضحاً أن الهدف ليس البحث عن دعمٍ ماليٍ أو منحةٍ تقليدية، بل عن شريك يؤمن بفكرة البناء معاً. جلس الملك مع كبار رجال الأعمال اليابانيين، تحدث معهم بلغتهم العملية الواضحة، لم يتحدث عن المساعدات ولا عن الظروف الصعبة، بل عن الإمكانيات، عن الأردن كموقعٍ استراتيجي في قلب الشرق الأوسط، عن طاقاته البشرية الشابة، وعن إمكان أن تكون المملكة منصةً لصناعات يابانية تتوجه نحو الأسواق العربية والأفريقية. كان يتحدث كما يتحدث ربّ البيت الذي يعرف موقع كل حجرٍ يريد وضعه في مكانه الصحيح، لا كضيفٍ يطلب أو ينتظر.
خرج الملك عن البروتوكول حين شارك شخصياً في النقاشات الاقتصادية، وحين قدّم الأردن بلسان الإنسان الذي يريد أن يفتح باباً لعملٍ حقيقي. ففي اليابان، حيث تُقدّس الدقّة والانضباط، وجد هذا الخطاب صدى مختلفاً. فقد رأى اليابانيون في حديث الملك مزيجاً من الواقعية والطموح، ومن روح القائد الذي لا ينتظر الحلول من الخارج بل يصنعها بشراكة متكافئة. لذلك جاءت نتائج الزيارة تحمل طابعاً عملياً واضحاً: اتفاقيات تمويل ميسّرة، منح لتطوير القدرات في الأمن السيبراني، وأهم من ذلك التزام متبادل بفتح مجالات جديدة للاستثمار في الطاقة والتعدين والتصنيع واللوجستيات.
لكن خلف هذه الأرقام هناك ما هو أعمق: رسالة سياسية واقتصادية تعيد رسم صورة الأردن في الخارج. لم يعد البلد الذي يتلقى المنح والمساعدات، بل أصبح شريكاً يمكن الوثوق به، بلداً يملك رؤية اقتصادية حديثة، ويبحث عن شركاء في التنفيذ لا عن داعمين مؤقتين. هذه الروح الجديدة هي التي حملها الملك في حديثه مع اليابانيين، حيث ركّز على التحوّل من المساعدات إلى الاستثمار، من العلاقات الرسمية إلى العلاقات الإنتاجية، من الدبلوماسية التقليدية إلى الشراكة العملية.
ولأن لكل بيتٍ تحدياته، لم يغفل الملك عن الصعوبات التي تواجه الاقتصاد الأردني، من بطالةٍ مرتفعة، وتحديات في البيروقراطية، وحاجة لتحديث القوانين. لكنه تحدث عنها كما يتحدث صاحب البيت عن الإصلاحات التي سيجريها بنفسه، بثقةٍ لا تنكر الواقع لكنها تملك الإرادة لتغييره. فكان حديثه عن التعليم المهني، وتحفيز القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات النوعية بمثابة خريطة عملٍ للسنوات القادمة.
إن أجمل ما في هذه الزيارة ليس فقط ما تحقق منها، بل في الطريقة التي جرت بها. الملك لم يكتفِ بلقاءاتٍ رسمية أو صورٍ دبلوماسية، بل ذهب إلى حيث يوجد القرار الاقتصادي الحقيقي: إلى قاعات رجال الأعمال ومراكز الصناعة. تحدّث معهم بعفويةٍ مدروسة، وأصغى إلى ملاحظاتهم بجدية، وطرح الأردن ليس كملفٍ جاهز، بل كقصةٍ مفتوحة يمكن أن يكتب الطرفان فصولها معاً. بهذا الأسلوب الإنساني الصادق كسب احترام اليابانيين، وترك انطباعاً بأن الأردن دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تصل إليه.
اليوم، بعد أن عاد الملك من طوكيو، يمكن القول إن الزيارة كانت نقطة تحوّلٍ في مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية. لقد تحوّل الملك من مجرد قائدٍ يوجّه الاقتصاد إلى مهندسٍ يشارك في بنائه فعلياً. خرج عن البروتوكول ليضع الأساس الأول لبيتٍ استثماري جديد، بيتٍ يريد أن يكون الأردنيون شركاء في بنائه، واليابانيون شركاء في تطويره. هذا البيت، إن اكتمل بناؤه، سيمنح الاقتصاد الأردني بعداً جديداً من الاعتماد على الذات، والانفتاح الذكي على العالم.
بهذا المعنى، لم تكن الزيارة رحلة عملٍ فحسب، بل كانت رسالة إنسانية عميقة: أن القيادة ليست فقط في التوجيه، بل في أن ترفع الحجر بيدك، وتبدأ البناء بنفسك. وأن الاقتصاد، مثل البيت، لا يقوم بالصدفة ولا يُشيَّد بالكلام، بل بالإرادة، والرؤية، والعمل المشترك. والملك في طوكيو، بدا تماماً كذلك: ربّ بيتٍ يعرف أن الزمن لا ينتظر، وأن بناء الغد يبدأ اليوم.