أول وكالة اخبارية خاصة انطلقت في الأردن

تواصل بلا حدود

أخر الأخبار
مقتل شاب برصاصة في إربد بحث التعاون في قطاع الاتصالات مع فلسطين واليمن تربية الكرك تنظم محاضرة عن أنشطة جسور التعلم الفايز: الاهتمام الملكي أدى لنقلة نوعية بتمكين الشباب الفنان جميل عواد في ذمة الله نقابة الصيادلة: لا إقبال على مطاعيم الإنفلونزا الموسمية بلعاوي: من المبكر إعطاء لقاح كورونا للأطفال من عمر 5 إلى 11 عاما المعونة: شروط للحصول على معونة شهرية التربية: الحالة الصحية للطلبة الذين تعرضوا لحادث سير جيدة المتهم بقتل زوجته في الزرقاء يسلم نفسه طوقان: إنتاج الكهرباء وتحلية المياه من الطاقة النووية مطلع العقد المقبل الذنيبات: الجلوة العشائرية أشد من العبودية كريشان يوجه البلديات بتقسيط ديون المواطنين تفاصيل تورط محامي أردني بتزوير وكالة ارض الاستهلاكية المدنية تفتح أبوابها الجمعة ديون الفيصلي مليون و300 ألف دينار الجزيرة يستغرب قرار التحقيق مع لاعبيه ترقيات أكاديمية في جامعة اليرموك -أسماء عطاء لصيانة السكن الوظيفي لرئيس الوزراء أسعار الذهب في الأردن ليوم الخميس

الكلمة والحجر

30-11-2011 09:48 PM

دقت ساعة البيت، معلنةً منتصف الليل، نهض أبو ياسر، متوجهاً إلى الغرفة المجاورة، ليتفقد ابنه الذي تأخر في العودة إلى البيت..وما أن استقام في وقفته حتى أفاقت زوجته.
- إلى أين يا أبو ياسر ؟..في هذه الساعة المتأخرة ؟
لم يعر أبو ياسر، زوجته أي انتباه، وهو متجهاً مباشرةً إلى غرفة ولده ياسر..فتح باب الغرفة.. نظر إلى السرير الفارغ.. أغلق باب الغرفة،ثم عاد إلى غرفة المعيشة .
نظر ابو ياسر، بقلق إلى زوجته التي وجدها تقف في الممر المؤدي إلى غرف النوم ، مدركةً، أن الأب لم يجد ياسر.
الأم:ابننا بات يغيب كثيراً عن البيت، هذه الأيام !
-الأب:هناك ما يخطط له هو وأصدقائه..انه اليوم الثالث لغيابه .وقبل يومين كانت هناك مسيرة شبابية، ينادون بالإصلاح..انه الربيع العربي الذي يتحدثون عنه !
الأم:لا تقلق عليه..ولدي ربيته أحسن تربيه ..عندما يحضر ..اجلس إليه واستمع،..أولادنا، زماننا غير زمانهم ..وأنت تعلم ذلك .
هز الأب رأسه موافقاً، يحاول أن يقلل من صوت نقاشهما ،حتى لا يوقظ البنتان في الغرفة المجاورة، وان ذلك سوف يوسع دائرة النقاش ويزيد من التوتر في البيت.
أبو ياسر :حسناً ..سأفعل ذلك ..عودي إلى فراشك..سأحاول أن اقرأ في كتابي بعض الصفحات !
ذهبت أم ياسر إلى فراشها وقد تملكها القلق على فلذة كبدها، تبتهل إلى الله أن يحمٍي ابنها الوحيد.

مضى أكثر من ستة أشهر والأوضاع العامة ،تنبئ بعدم الاستقرار ،يرافقه قلق شديد ينتاب الأب الذي تظهر عليه الحيرة ،فما عساه فاعلاً ،قبل أن يفقد ابنه في هذه الظروف الصعبة ؟ .
تناول أبو ياسر كتباً من رف مكتبته، وجلس يطالع به.. حتى عاد النعاس يداعب جفونه، وما أن هم بالعودة إلى فراشه، حتى سمع صوت قفل الباب الخارجي.. لحظات، وظهر ابنه من باب الصالون وقد بدت عليه آثار التعب وضمادات بيضاء تلف رأسه كعصبة عجوز.
تجمد الأب مرعوبا من هيئة ابنه ..وقد عرف سبب الضمادات والعصبة..
الأب: أين كنت يا ولد؟ ولماذا كل هذا الغياب عن البيت ؟..هل نسيت أن لك عائلة تخاف وتقلق عليك ؟ألا تملك أي مشاعر تجاه أختيك وأمك الصابرة ؟
صمت ياسر ..يحاول عدم الخوض في نقاش، يمكن أن يتطور إلى شجار، يوقظ أمه وأختيه من النوم، متمنياً أن يتركه والده..لكن الأب ثار وأصر على سؤاله ..أين كنت يا ولد ؟
الابن وقد اتجه بخطواته إلى غرفته:أرجوك..يا والدي ..لندع الحديث إلى وقت آخر..لقد مضى من عمري أكثر من ثلاثين عاماً..ولا تزال تناديني بالولد!!
شعر الأب بضغط الدماء المتصاعدة الى رأسه : ولد..وستبقى كذلك ،طالما أتنفس هواء هذه الحياة !
ياسر:حسناً يا والدي..لك ذلك..والآن أرجوك دعني..اذهب لغرفتي ..هناك أمور يجب أن أنجزها قبل أن اترك البيت من جديد.
الأب لا يزال مصراً: أجبني يا ياسر...أين كنت ؟ وما هذه الضمادات التي تلف رأسك؟..هل شاركت في مسيرة هذا الأسبوع ؟
ياسر: نعم شاركت.. إنها ضربة هراوة ..لا تقلق!
الأب: هل تجتمع بأصدقائك المشاكسين ؟ ما الذي تريدونه من لقاءاتكم ؟..انتم تجلبون المشاكل إلى البلد..ما الذي ينقصكم ؟أوضاعكم أفضل من غيركم ؟
توجه الابن إلى والده يريد أن يقصر المسافة بينهما، حتى لا يخرج صوته عالياً: اعلم - يا والدي - أن حالي أفضل بكثير من أناس اعرفهم..لكن انظر إلي ...أنا وزملائي الذين تنعتهم بالمشاكسين، لم يعد لنا مستقبل في هذا البلد ! ..صرفت كل مدخراتك على تدريسي ..وها انا عاطل عن العمل منذ سبعة أعوام..لم اجد لا وظيفه حكومية ولا خاصة .ولا تزال والدتي تمرر لي بعض المصروف، كأختي العاطلتين عن العمل ،ومن خجل ارتمائي في البيت اعمل في مكتبة والد صاحبي ..أساعده في تصوير الكتب لطلاب الجامعة ..حتى لا يقال أننا نترفع عن العمل ،وأننا نريد الجلوس خلف المكاتب...انظر لي يا والدي..أنا لا استطيع الزواج في هذا الغلاء الفاحش ولا حتى تكوين عائله ..أنا وزملائي قطعت بنا السبل في هذا الوطن ، حتى الهجرة، أصبحت محرمةً علينا ..يضعون العراقيل ويخضعونا للمراقبة في كل مكان..لأننا عرب .
صمت الأب وهو يراقب ولده وقد استشعر ألمه وغضبه معاً ..غير قادر على تقديم حل ، قائلا له :نحمد الله على الأمن والآمان يا ولدي..انظر إلى البلاد حولنا ..يعيشون في فوضى ولا يؤتمن على بناتهم وأولادهم من الخروج إلى الشارع ..ألا تخاف على أمك وأختيك ؟
ياسر بألم شديد : الشعوب تثور على الظلم والاستبداد ..والفساد الذي نهب البلاد ..إنهم يتحدثون عن مليارات يا والدي ..مليارات ..لم يستغلوها في حماية أنفسهم وبلادهم ..إنها مكدسة في حساباتهم البنكية ومشاريعهم في البلاد الأجنبية .يتمتعون بها على حساب شعوبهم التي انتفضت من الجوع والفقر.
الأب:ما الذي تريدونه الآن؟. ما هي طلباتكم ؟
ياسر:نريد حياةً كريمةً، نريد أعمالا شريفةً، وعدلاً في الوظائف.نريد أن نعيش كباقي البشر ، وتكون لنا عائلات..انظر إلى بنتيك ..الم تسأل نفسك لماذا لا يزلن في بيتك ؟؟ولم يتقدم لخطبتهن احد..رغم جمالهما وتعليمهما ؟
أبو ياسر بعصبيه :دع أختيك وشأنهما ..إنها القسمة والنصيب ..أنا أسالك عما يشغلك هذه الأيام؟
ياسر بهدوء:إنها أمور متداخلة يا والدي..وقد تأزمت، حتى بات من الصعب أن نضع إصبعنا فوق الوجع الحقيقي..نحن نطالب بحقوق انتزعت منا.. ولم نطلب ما هو ليس لنا!
الأب متذكراً طلب الأم في الاستماع والصبر عليه :يا ولدي ..مضى أكثر من سبعة أشهر..ولم يحدث شيء ..انتم تقلقون الناس بخروجكم إلى الشوارع، ولا احد يستمع إليكم، يخدرونكم بإسقاط حكومة وبتشكيل أخرى على شاكلتها..نفس الوجوه ونفس السياسات ..لم يتغير شيء ..هذا حالنا منذ عقود..ما الذي ستغيرونه الآن؟
ياسر:نريد إصلاح ما أفسدته أجيالكم !
الأب بغضب شديد:ماذا تقول يا ولد ؟..صحيح، أنكم جيل فقد احترام الكبير..كيف تقول ذلك؟ ..لقد عملنا بإخلاص وتفاني ولم نقصر في بلادنا.. ولم نخن أماناتنا .كيف تتجرأ وتقول ذلك ؟
تراجع ياسر امام غضب والده قائلاً :ما اقصده ..إنكم سكتم على الفساد والمفسدين ..استفحلت الأمور أمامكم ، ولم تتحركوا لحماية أنفسكم وحمايتنا من بعدكم..ولو اشتغلتم في السابق بما فيه الكفاية لما اضطررنا لمواجهة السلطة والحكومات ..التي ترسل إلينا رجالها وعتادها لترعبنا ، وضربنا بالهراوات على رؤوسنا !
الأب وقد استشاط غيضاً :هل تحملني وجيلي أسباب تردي الأحوال الآن ؟..ونحن من بنينا البلاد وخدمناها بعقولنا وسواعدنا ..لقد ربيتك على الولاء والطاعة وحب الأوطان..ما الذي تريدونه؟ ألا تعتبرون من الدماء التي تسيل في شوارع البلاد حولنا؟
شعر ياسر انه وصل وأبوه إلى طريق مسدود.:أرجوك يا والدي، نحتاج إلى مزيد من الحريات والى المزيد من الشفافية في التعامل مع الناس..نريد أن تكون خيرات البلاد للشعب، وان لا يحتكرها القلة من أصحاب المعالي والمحضيين .. نريدها عدالة ومساواة في حقوق المواطنة..نحن لم نعد في عصر الإعلام الموجه والقناة الواحدة.. انه عصر الانترنت..والمعلومات ..ما نطلع عليه كل يوم يوجب التغيير، وإعادة التنظيم، وإصلاحات في كل مناحي الحياة، وأهمها في العدالة الاجتماعية والحريات السياسية .
الأب:وهل تراني قد قصرت في خدمة بلدي..لقد عملت موظفاً حكومياً طوال حياتي..وجدك كان موظفاً مخلصاً أيضا..
قاطعه ياسر :وتريدني أن أكون مثلك وعلى خطاك يا والدي..لا لن اقبل بذلك..لقد ارتضيت بالأمن وبأقل الرواتب وزملائك يستغلون مناصبهم في المعلومة والخدمات، وأنت لا تزال في مكانك، ولم تحاول في يوم من الأيام أن تغير شيء من حياتك..وتريد أن تنقل هذا الحمل الثقيل لي..لن ارض بذلك...أريد حياة أفضل..وخيارات أفضل..اصنعها بنفسي وحسب كفاءاتي ومواطنتي، لا بجرعات حكومية تخضع للمزاج والمحسوبية ..تطال المقربين وأبناءهم.. أريد حقوقاً كاملة فوق تراب وطني، بتراثي وفكري ووجودي..لا أن أتنافس والغرباء على مكتسبات دولتي.
الأب:ولكن يا ولدي..أنت وزملائك تستطيعون أن تعبروا عن آراءكم وطلباتكم بالطرق السلمية..فلماذا هذه المواجهات مع الأجهزة الأمنية..انظر إلى الدماء النازفة من راسك ..لماذا تستعدون للمواجهات الدامية ؟ ..انظر إلى هذا الكتاب.. .انه القاموس العربي الجامع ..انظر إلى الكم الهائل من الكلمات والمعاني ..هل فقدتم قدرتكم على الحديث والنقاش ..لا تزال للكلمة ثقلها ووزنها ...لماذا لا تجلسون إلى طاولة الحوار المدني والحضاري وتبادرون إلى وضع تصوراتكم وأحلامكم ؟؟ ما فائدة كل هذا العلم ؟؟وما جدوى كل هذه الجامعات؟ إذا لم نسخرها لحياة أفضل..وعلاقات أقوى مع مؤسسات الدولة وأجهزتها ؟
الابن بجزع: والدي العزيز..كأنك تحملنا سبب هذا التردي ونحن منه براء..إنهم لا يفهمون إلا لغة العنف والمماطلة..إنهم لا يراعون وجودنا ولا مطالبنا..كيف نقابل الهراوات بالكتاب ،والحجر بالكلمة . ..كيف يكون الحوار بعلم درسناه ؟ وهم يستغفلون الناس ويستخفون بذكائهم وعقولهم ؟..مفارقاتك عجيبة يا والدي!!
الأب مستغرباً، ما وصل إليه ابنه الشاب: يجب أن لا يغيب صوت العقل والحكمة يا ولدي..وان لا يجركم حماسكم إلى ما لا طاقة لنا عليه!
اخذ ياسر يقطع المكان ذهاباً وإياباً واضعاً يديه فوق ضمادات رأسه..وكأن رأسه يوشك على الانفجار.
ياسر يكاد أن يتلعثم بكلماته: ألا تعلم يا والدي أن صوت المدافع والرصاص.. اعلي من صوت العقل؟ وان المنطق يغيب في مواجهة الحديد والنار..والظلم والاستبداد ؟.. صمتكم أوصلنا لما نحن فيه..لم تعد لغتكم مفهومة ولا مسموعة كتبكم وحواراتكم لن تجدي نفعا.. حواراتهم هراوات .. وكلمتهم حجر !

مضت ساعات في نقاشهما ،شعر بعدها الأب بأنه فقد الطريق الى ابنه، وانه غير قادر على ثنيه ،وعدم الخروج الى الشارع .وقد كسر حاجز الخوف، ولم تعد ترهبه سلطة ولا حكومة..فلم يجد الا سلطته الأبوية ،لتكون طوق النجاة والمحاولة الأخيرة لحماية ولده ، قائلاً: أنا والدك ولي عليك حق السمع والطاعة ..وأمك..انظر إلى حال أمك ..ألا تشفق عليها وعلى ما وصلت إليه ؟..أنا والدك ويحق لي أن أمنعك !
من الغرفة النوم المجاورة، سمع ياسر صوت أمه خافتاً لكنه حازماً..دعه يا أبا ياسر..دعه يذهب..دعه يبحث عن مستقبله ومستقبل وطنه..الحرية والكرامة تعشق دماء الشباب ..دعه يذهب لاصدقائه ..إنهم ينتظرونه!
توجه ياسر إلى أمه، يحتضنها ويقبل يدها:ستفخرين بي يا أمي..يا منبتي وارضي ..سنعيد كتابة التاريخ من جديد ..اطمئني ..انا لست وحدي !
صوت الآذان قطع حديثهما ..مبشراً ببزوغ فجر جديد ..ونهار جديد..
ابتسمت الأم قائلةً: هيا يا ولدي ..أقم صلاتك وتوكل على الله .. شمس نهار جديد تنتظرك أنت وصحبك..هيا حتى لا تتأخر عن ركبهم ..اذهب .أنا ووالدك واختيك سنكون برعاية الله ..امض يا ولدي، وحقق أحلامك..وطنك يحتاجك فلا تبخل عليه أبداً !





تابعونا على صفحتنا على الفيسبوك , وكالة زاد الاردن الاخبارية

التعليقات حالياً متوقفة من الموقع