التعليم العالي يحتضر، والمحتضر لا يعرف إلا طريق المقبرة!
زاد الاردن -
صدمني مقال الدكتور عبد الكريم القضاة، نائب رئيس الجامعة الأردنية، إذا أردتم الحق، الذي نشره مؤخراً في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، مشخصاً فيه حالة التعليم العالي تشخيصاً يتعارض جوهرياً ما خلص اليه إجماع جمهور أهل الرأي والاختصاص؛ إذ أشعرني بأننا أمام إشكالية منهجية قبل أن أن نكون أمام أي شيء آخر، فهل يمتلك الدكتور الكريم ـ مع كل احترامنا وتقديرنا له ـ من أدوات التحليل والتقييم والتفكير ما لا يمتلكه جميع الذين يخالفونه جذرياً في مقولاته، وهم كثير، حتى يرى ما لا يرون ويلاحظ ما لا يلاحظون من حقائق صارخة لا يمكن إنكارها!؟ لكنني لا ألوم الدكتور القضاة كثيراً إذا شئتم الصدق، بل ألوم نظام التعليم العالي البائس في المقام الأول، الذي يجعل من الموقع الإداري للأكاديمي المعيار الأهم لتقرير مكانته وتعيين أدواره وتحديد ما يستحق من حفاوة وتكريم وامتيازات، ليغري أساتذة الجامعة بالتهافت والتكالب على المواقع الإدارية، معرضين في المقابل عن البحث وراغبين عن العلم. فكم رأينا ذلك النظام الخائب يُبعد علماء واعدين عن مختبراتهم ومعامل أبحاثهم، ويسرق أطباء متميزين ونطاسيين بارعين من مرضاهم ومن طلابهم، وما أحوج هؤلاء وهؤلاء إليهم، لكي يقحمهم على مواقع إدارية "تنفيعية" لا تأخذ بعين اعتبارها إلا حسابات جهوية أو إقليمية أو شخصية ضيقة، يمكن أن يشغلها آلاف المختصين في حقول الإدارة بدلاً منهم، سرعان ما تجعل أصحابها بعد الانخراط فيها حيناً من الدهر يتوهمون بأنهم أصبحوا سدنة الإدارة وكهنتها، وأنهم أعقل وأقدر وأخلص من كل من عداهم! ذلك النظام المريض المخصص ـ إسمياً ـ لحمل رسالة العلم لا يحفل حقيقةً بالعلم، ولو شاء القدر للعلامة ابن خلدون نفسه أن يعود إلى الحياة وأن يحظى بواسطة تقذف به إلى إحدى جامعاتنا اليوم، لما التفت إليه أحد، ولعاش ومات ـ قهراً على الأغلب ـ وهو مهمل ومهموم ومنسي، اللهم إلا إذا نجح في تقلد منصب إداري ما، بطريقة أو بأخرى، ودون أن يكون لذلك المنصب بالطبع علاقة بإنجازاته العلمية وإبداعاته الفكرية من قريب أو بعيد! أراني أتعجب جدياً مما يحدث، فأنا أعرف أسماء فكرية وعلمية مرموقة كانت، وربما بعضها ما يزال، تجاهد باستماتة لحفظ ماء وجوه جامعاتنا، وإثبات أنها ما تزال تتمتع ببعض سمات الجامعات الحقيقية، إلا أن تلك الأسماء المهمشة تتحرك كأشباح هشة شفافة لا يراها أحد، هذا إن لم يتم إجبارها على الصمت أو الموت أو الاعتزال أو الهجرة، بينما تُسلط أضواء التحميد والتمجيد والشهرة على أصحاب المناصب الإدارية الاستعراضية، فيا للبريق الذي تصنعه الكراسي، ويا للهالة التي ترسمها المناصب! نعود إلى تشخيص الدكتور القضاة حفظه الله، الذي رجعت إليه وتأملت فيه مراراً وتكراراً، فوجدته تشخيصاً مفرط العمومية، حتى لا أقول السطحية، قد يصدر عن طبيب امتياز عديم الخبرة في إحدى مستشفياتنا العامة، لكنه لا يعبر حتماً عن براعة طبيب متخصص متبحر في الحقل الذي تصدى لتشخيص علله! إذ يعاني ذلك التشخيص، من ضمن ما يعاني، من غرق شبه كلي في المؤشرات الكمية، مع تغييب شبه تام لنظيراتها النوعية، فهو يحدثنا عن أرقام وإحصاءات، وما أقدر الأرقام والإحصاءات على التحايل والتضليل! ربما لم يسمع دكتورنا الفاضل بأن عدداً من البلدان العربية، تزايد عددها مؤخراً، باتت تترفع عن الاعتراف بشهادات العديد من جامعاتنا الحكومية، واسأل الطلبة الذين عضوا أصابعهم ندماً على دراستهم في جامعة آل البيت، مثلاً، عندما استنكفت مؤخراً مؤسسات حكومية خليجية عن مجرد النظر في طلبات توظيفهم! ولماذا نذهب بعيداً يا سيدي، ألسنا نرى أن جامعاتنا ذاتها تفضل تعيين المتخرجين من جامعات الغرب على تعيين خريجها أنفسهم ألف مرة!؟ أليس في ذلك ما يشكل إقراراً ضمنياً من جانبها برداءة مستوياتها ومستويات خريجيها!؟ يتحدث طبيبنا العزيز عن جامعات "إسرائيل"، مبرراً أن تميزها يرجع إلى تأسيسها قبل قيام "الدولة"! للعلم فقط، هذا لا ينطبق إلا على ما تُعرف بالجامعة العبرية وحدها، أما بقية الجامعات في ذلك الكيان المصطنع، كجامعتي تل أبيب، وبار إيلان مثلاً، وهما من أهمّ جامعات العالم ـ ويا للقهر ـ فقد أُسستا قبل إنشاء الجامعة الأردنية بست سنوات للأولى وخمس سنوات للثانية إذا لم تخني الذاكرة، فهل هذه السنوات القليلة تكفي لجعلهما يسبقان جامعتنا الأردنية العجوز بآلاف، نعم آلاف، المراتب على مستوى التصانيف العالمية الموضوعية!؟ يقول حكيمنا القضاة ـ بفخر واعتزاز ـ إن الجامعات الأردنية قد استقبلت منذ إنشائها عشرات الألوف من الطلبة الذين ينتمون إلى دول صديقة وشقيقة، وهذا شيء رائع ويبعث على الإعجاب بكل تأكيد، لكننا لو دققنا النظر في البلدان "الصديقة والشقيقة" التي جاءت منها الأغلبية الساحقة من أولئك الطلبة، لألفيناها تنتمي إلى ما يعرف بالعالم الثالث، وهذا هو الاسم المهذب لما يسمونه "العالم المتخلف" في حقيقته! ما يجعلنا نستحضر بأسى الحكمة الإنجيلية القائلة: "إن كان أعمى يقود أعمى؛ يسقطان كلاهما في حفرة"! أما الطلبة الذين جاءوا من دول "متقدمة"، فقد قصدونا غالباً لتعلم اللغة العربية، وذلك بغرض استخدامها في فهمنا بصورة أفضل واستغلالنا وتركيعنا بصورة أفعل، كما تقضي بذلك أسس علم الاستشراق الخبيث! وفي معرض دفاعه "الدونكيشوتي" عن التعليم العالي، يقول الدكتور القضاة: "ينشر أعضاء هيئة التدريس حوالي 8,0 بحث لكل عضو هيئة تدريس سنوياً مقابل بحث واحد على الأقل لكل عضو هيئة تدريس عالمياً وهذه نسبة معقولة". نتساءل هنا: لماذا لم يذكر الدكتور العزيز، وربما لم يتذكر، أن الإنتاجية البحثية للأكاديمي في "إسرائيل" تفوق إنتاجية نظيره العربي/ الأردني بأكثر من مائة مرة على أقل تقدير، وفق بعض التقارير العالمية المحايدة!؟ ولن أتحدث هنا عن مستويات البحوث التي تنشر في دورياتنا "العلمية" التي تكاد تتعفن ويتكدس فوقها الغبار وهي على الرفوف المسوّسة لقلة ما يتم الالتفات إليها! التي لا أظلمها حتماً إذا ما زعمت أن الكتّاب فيها أنفسهم يزهدون في الرجوع إليها، إلا من أجل كتابة "بحوث" بائسة أخرى لأغراض الترقية الروتينية، وهم يعرفون أن لا أحد سيضيع وقته في قراءتها، ربما باستثناء طلبتهم الخائبين المجبرين على ذلك، بحكم عدم إتقان معظمهم للغات غير العربية، التي خذلها أهلها شر خذلان، فلم تعد تنتمي إلى أسرة اللغات التي يجذب تعلمها والكتابة بها اهتمام العلم وأهله في أيامنا العاثرة! ويؤكد حكيمنا الكريم، ونؤكد معه، بأن التمويل عنصر مهم للغاية للارتقاء بأوضاع الجامعات، وأن على الحكومات أن تخصص لدعم العلم النسب الأكبر من موازناتها. لكننا نشدد القول بأن التمويل لا يمثل العنصر الأهم دون ريب، فكل مليارات العالم لن تفلح في تغيير عقليات قوم يصرون على التفكير بالطريقة التي كان الناس يفكرون فيها أيام أبي جهل ومن والاه! المشكلة ليست في التمويل يا سيدي، على الرغم من أهميته القصوى، بل في إدارته بكل تأكيد، فماذا نفعل بملايين الدنانير ونحن نرى جامعاتنا تهدر أموالها القليلة على مؤتمرات خطابية تثير الرثاء، أو على ابتعاث من لا يستحقون الابتعاث، أو على تشويه الجامعات بكاميرات متلصصة تحولها إلى سجون كريهة!؟ هائل وعظيم ومفصلي هو الفرق بين التفاؤل والتجاهل يا سيدي، فتفاؤلنا الذي قد يكون أمراً محموداً يمكّننا من شحذ عزائمنا والإصرار على الإصلاح والتغيير، لا يعني أو يبرر التعامي عن معطيات الواقع وتسمية الأشياء بغير أسمائها، فالسرطان هو السرطان، ولن يحوّله تحاشي الناس لذكر اسمه المرعب إلى مجرد طفح جلدي بسيط! والقاعدة الأولى لعلاج أي مرض ـ وأظن أن الدكتور القضاة يعرف هذه القاعدة أكثر مني ـ تتمثل في الاعتراف بوجود ذلك المرض، وليس بإنكاره أو تجاهله، ومحاولة إقناع أنفسنا وإقناع الناس، وربما إقناع المريض نفسه، بعدم وجوده من الأصل! التعليم العالي يحتضر يا سيدي، حتى لا أكون سودواياً وأقول بأنه قد فارق الحياة دماغياً! وهو لا يحتاج الآن إلى مجرد "فيتامينات" حتماً، بل يحتاج إلى زراعة قلب جديد، وإلى إزالة الأورام السرطانية الخبيثة المستشرية التي تعشش في دماغه! إنه يحتاج إلى ثورة حقيقية، تشبه تلك الثورة الشاملة الجامحة والناجحة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية عندما بوغتت بالاتحاد السوفييتي ذات يوم يسبقها في غزو الفضاء، لتعود سريعاً إلى سبقه وريادة دول العالم في ذلك المجال! كل أمم الأرض تسبقنا الآن في مضمار الرقي والتقدم العلمي والفكري يا سيدي، وبسنوات ضوئية قد تعصى على الحصر، وليس لنا إلا الجامعات كي تقودنا من جديد على طريق التحضر العالمي، فهل جامعاتنا اليوم بحالتها الراهنة قادرة على منحنا بعض الأمل في إمكان حدوث ذلك!؟ أخشى والقهر يجتاحني أن أقول لا، بل ألف لا يا سيدي، فالمحتضر الذي لا يفعل أحد شيئاً جدياً لإنقاذه، باستثناء تخديره بعبارات التفاؤل الواهي، لا يعرف إلا طريق المقبرة!
ارسل كلمة sub zad الى زين 97978 أورنج 90205 أمنيه 90205 اكسبرس 90205
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط. ويحتفظ موقع زاد الاردن' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشرأي تعليق يتضمن اساءة أوخروجاعن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار زاد الاردن علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
تعليقات القراء
New Page 3
Comment Script
1-
صحيح الكلام, التعليم في الاردن في تردي مع انه أفضل من الدول العربية المجاورة, وكم من دكتور جامعي مزور ولم يكشف الا بعد ردح من الزمن!!؟
11/22/2009 -21:18
صاحبة رأي
2-
شكرا على هذا المقال الرائع و انا اضم صوتي لك فالتعليم العالي في الاردن شيء مؤسف ... انظر لقرارات التعليم اعالي التي تنفي اي طالب يريد ان يكمل دراساته العليا خارج الاردن لمدة سنتين ( انه قرار ابعاد ) في وقت تصرخ فيه الموازنه العامة بأن هناك عجز قدره 2و1 مليار دولار مع العلم ان الفاتوره السنويه التي تدفع للدراسة في الخارج هي 65 مليون دولار ... اذا لماذا نفرض على طلبتنا بالاقامة خارج الاردن لمدة سنتين و اخراج العمله خارج الوطن ؟؟؟ لما ان نتيح لهم بأكمال دراساتهم العليا داخل الاردن ؟؟؟ واكثر من ذلك بكثير .... انا مع الغاء وزارة التعليم العالي لانها تصدر قرارات مجحفه ... وشكرا
11/22/2009 -23:09
اردني حر
3-
بصراحه والله طلاب الجامعات لا يعرف معنا تخصصه بصراحه العلم يذهب الى الهاويه و العلم اصبح تجارة
11/23/2009 -20:38
بصراحه
4-
من يذكر عندما الحق مجدالشمايلةعضو في مجلس امناء كلية الهندسة من كان رئيس الجامعة وقتها
12/25/2009 -03:08
ناطر ولعة
This comment form is powered by GentleSource Comment Script. It can be included in PHP or HTML files and allows visitors to leave comments on the website.
1-
صحيح الكلام, التعليم في الاردن في تردي مع انه أفضل من الدول العربية المجاورة, وكم من دكتور جامعي مزور ولم يكشف الا بعد ردح من الزمن!!؟
11/22/2009 -21:18
صاحبة رأي