رصد 200 بركة زراعية في جرش وإجراءات للحد من مخاطرها
إصابة سفيرة فلسطين بطهران بعد هجوم محتجين على مقر إقامتها
سرقة مجوهرات بـ76 مليون جنيه إسترليني من متحف اللوفر
دراسة جديدة: قلة النوم قد تُسرّع شيخوخة الدماغ
دراسة تكشف منطقة غير معروفة سابقاً في دماغ المراهقين
ديب سيك قد تكسر أزمة الذاكرة في الذكاء الاصطناعي باستخدام تقنية جديدة
بعد أستراليا .. أي الدول ستحظر مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال تاليًا؟
تفاصيل برنامج رامز جلال في رمضان 2026
لإحياء حفل زفاف دون مقابل .. حسن شاكوش يضع شروطا على العروسين
محافظ جرش يبحث جاهزية المؤسسات الرسمية للمنخفضات
السيلية القطري يحسم صفقة علي علوان
الداخلية: نحو 183 ألف سوري عادوا طوعًا إلى بلادهم
الأردن يرحب باتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين دمشق وقسد
محمد بن سلمان والشرع يناقشان هاتفيا الأحداث الإقليمية
فينيسيوس بالدموع: ريال مدريد لا يحترمني .. وسأخلع قميصه
الأوقاف: نحو 800 مستنكف عن الحج ودعوة مواليد 1954 لاستلام التصاريح
إعلام عبري: الجيش يرفض دخول لجنة إدارة غزة
قناة اسرائيلية: السلطة تعود لإدارة غزة من بوابة حكومة التكنوقراط
نمو التبادل التجاري بين الأردن وقطر بنسبة 55% يعكس عمق علاقات التعاون الثنائي
يمارس أبناء الجيل الشاب ـ وبناته ـ متعةَ التسوّق عن بُعد؛ تجلس الفتاة أمام شاشةٍ بمقاس أحلامها، تتصفّح معروضات السوق الإلكترونية: خطوط الموضة الحديثة، ألوان براقة، وخامة واعدة. تختار رقم المنتج ثم تنتظر وصوله أيامًا، وربما ساعات قليلة، فالمنافسة حامية الوطيس. وإن لم يكن المنتج كما بدا على شاشة العرض، أعاده التاجر وأثبت مصداقيته لزبونٍ سيعاود الطلب لاحقًا.
لكن وراء هذه السهولة المتقنة، يخسر الجيل بعضًا من طقوس التسوّق القديمة؛ ذاك السعي على قدميه بين الدكاكين وأجنحة العرض، ولمس الخامة وفركها بين الأصابع، ومقارنة الألوان بما يوافق البشرة والملامح. كان يقيس القطعة ثم يقطع الصالة ذهابًا وإيابًا أمام المرايا، يهز رأسه مستنكرًا، ويترك المحل لآخر. وهكذا قد ينتهي اليوم أو الأسبوع قبل أن يعثر على ضالته… لكن للرحلة طعمًا لا يمنحه أي سفرٍ افتراضي.
وبعد أن يزور معظم الدكاكين، ويعرفه أغلب الباعة، ويجرّب الروائح العطرية، ويتذوّق كثيرًا من أنواع الحلوى والبهارات الشرقية، يكون قد صاغ ذائقته الخاصة وثقافته الشخصية، ليعرض ما يستطيع منها في السهرات وحفلات الشاي والقهوة. كانت تلك ثقافةً لا تستطيع أعرق المكتبات التقليدية تقديمها؛ ثقافةٌ تُكتسب بالمشي بين الأزقة، وبالحديث العابر مع الباعة، وبالروائح التي تفتح الذاكرة أكثر مما تفتح الكتب.
ومتعةٌ أخرى غابت عن هذا الجيل: سوقُ البراغيث Flea Market ــ أو سوق الحرامية كما يسميه البعض سخريةً ــ أو سوق الجمعة في مدينتنا. تلك الساحات الشعبية التي كانت تمنح الزائر درسًا في التاريخ، ورحلة في الذاكرة، وفرصة لالتقاط حياةٍ تذوب في ازدحام الأشياء وروائح المستعمل.
وكان في كل مدينة، صغيرة كانت أو كبيرة، فضاءٌ مخصّص لنوع آخر من الباعة يعرضون في جو مشمس ــ ولا يمنعهم المطر لو فاجأهم ــ كنوزًا تخلّى عنها أصحابها، لكل قطعة منها حكايتها وتاريخها. يذهب البعض بحثًا عن تحف نادرة، أو أشياء عتيقة، أو مقتنيات ذات قيمة خاصة، كأنها رحلة استكشاف عبر الزمن.
عاديات قديمة، كتب مستعملة، ألعاب أطفال فقدت أطرافًا، وأشياء كثيرة أخطأت طريقها؛ فبدلًا من أن تنتهي في حاوية النفايات، تظهر أمام شيخ أو امرأة عجوز فوق قطعة جريدة قديمة مفروشة على الطين. السير بين أكوام المعروضات يجعلك تظن أنهم يبيعون بعض ذكرياتهم؛ تتجوّل وربما تمتد يدك لتلتقط كرةً زجاجية، أو كتابًا قرأته في طفولتك، أو مشطًا فقد أسنانه… متسائلًا: ما الذي يُعرض هنا حقًا؟
وربما قادتك قدماك إلى هذه الساحة وأنت تطارد وجهًا أو ذكرى، أو تحاول دفن حزنٍ ما، أو تدرس فئة المرتادين كما يدرس عالمُ الأنثروبولوجيا جماعةً من الناس. كثير من السياح يقصدون هذه الأسواق، فهي تعرض تاريخ المدينة وجزءًا من حضارتها، ولا يتردد بعضهم في الوقوف لمحادثة الفتاة الغجرية التي تبيع خناجر، وتحترف قراءة الكف ومعرفة الحظ والتنبؤ بالمستقبل.
وهذا النوع من الزبائن يذكرنا بجدّاتنا اللواتي اتسعت خبرتهن وباءت معهن حيل الباعة بالفشل. ورغم أن الأسواق ما تزال مفتوحة، وما يزال بعض الزبائن يحتفظون بذائقتهم ويمارسون سياحة التسوّق، ويصنعون ذكرياتهم في جوٍّ عاطفي لا يختلف مذاقه عمّا كان قبل خمسين سنة، ولا يختلف من مدينة إلى أخرى، غربية كانت أو شرقية، في زمن صار فيه العالم قرية صغيرة، حتى إن فيروسًا ينطلق من أقصى الشرق سرعان ما يجد طريقه إلى مدينتك.
إن سوق العاديات القديمة لا يعرض الأشياء وحسب، بل يعرض الأفكار وأساليب الحياة القديمة والأماني المنسية. فهذا يبحث عن مصباح علاء الدين، وذاك عن كاميرا تُصوّر الأرواح، وثالث يفكر في كتابة قصة تبدأ بخارطة كنز وجدها في كتاب مستعمل.
أما الملابس والأحذية فتمتد من كل حدب وصوب وبكل المقاسات، وإلى جانبها طوابع قديمة، وعملات نادرة، ومجوهرات وأحجار كريمة… عالمٌ كامل يعجّ بما مضى، ويمنحك لحظةً من متعة العودة إلى زمنٍ لم تعشه، لكنك ــ بطريقةٍ ما ــ تشتاق إليه.
وربما تذهب لشراء حذاء قديم، فتخرج بمرآة ذات إطار فضي، تناسب مدخل بيتك، لتكتشف أن لها قدرة عجيبة: إذا نظرت من خلالها إلى صورتك ليلة الثالث عشر من الشهر أرسلتك إلى مدينة غريبة، لا تعود منها إلا عند شروق الشمس.
وربما تخرج بمعالج كلمات قديم، يحوّل ما تكتبه على شاشته إلى واقع، كما لو كان عصا سحرية إلكترونية.
ولكثرة ما سمعنا من قصص غريبة حول سوق العاديات القديمة، يذهب البعض إلى السوق كمن يخرج للبحث في الحفائر، آملًا بالخروج بلقية ثمينة.
ماذا صنعت الأزمات العالمية وانتشار العدوى بسوق العاديات القديمة؟
وكيف فتحت ثورة الاتصالات الحديثة والإنترنت تحديات أمام السوق؟
لقد شكلت الأزمات الاقتصادية والصحية ضغطاً هائلاً على المتاجر التقليدية، مهددة إياها بالإغلاق. ومع ذلك، لم تقضِ ثورة الاتصالات والإنترنت على السوق، بل أعادت تشكيلها. صحيح أن السوق سيظل له زبائنه، سواء من يبحثون عن البدائل الرخيصة ليتناسب مع مستوى دخلهم، أو هواة المقتنيات النادرة من ذوي الدخل المرتفع. لكن التحدي الأكبر يكمن في المنافسة الحادة التي فرضها التوسع الرقمي، والذي سهّل انتشار الصناعات المقلدة والرخيصة لتصبح منافساً قوياً للسلع الأصلية المعروضة.
ومع ذلك، تبقى الجاذبية التاريخية للعواصم العريقة عامل صمود؛ فهي ما زالت تفرض خياراتها الساحرة على السائح، وتغريه ليخرج بعملات قديمة أو تماثيل جصية معفرة بالتراب، تأكيدًا على أن كلاً منا يطارد حلمًا أو ذكرى في هذا السوق.
سعيد ذياب سليم